أم الإمارات.. الشيخة فاطمة بنت مبارك من تمكين المرأة إلى صناعة المستقبل

مصدر الصورة: Pinterest

في مسيرة المرأة الإماراتية، يصعب فصل التحول الذي شهدته مكانتها خلال العقود الماضية عن الدور الذي أدته سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، «أم الإمارات»، في بناء العمل المؤسسي المعني بالمرأة ودعم انتقالها من المشاركة الاجتماعية إلى الحضور الفاعل في التنمية وصناعة القرار.

لكن قراءة هذه المسيرة في 2026 تفتح زاوية مختلفة. فبعد أكثر من خمسة عقود على تأسيس الاتحاد النسائي العام، لم يعد السؤال يقتصر على كيفية إتاحة الفرص أمام المرأة الإماراتية، بل أصبح أكثر ارتباطاً بموقعها في القطاعات المستقبلية، وقدرتها على التأثير محلياً ودولياً.

ومن هنا تكتسب “رؤية أم الإمارات 50:50” أهمية خاصة؛ فهي تمتد حتى عام 2075، وتقدم تصوراً طويل الأمد يجعل جودة حياة المرأة، وتمكينها في القطاعات المستقبلية، ودورها في صياغة المستقبل، جزءاً من رؤية استراتيجية متكاملة.

وهكذا يمكن قراءة مسيرة الشيخة فاطمة بنت مبارك باعتبارها انتقالاً من بناء الأساس إلى توسيع الأثر؛ من تأسيس المؤسسات التي تعنى بالمرأة إلى بناء منظومة تستشرف ما يمكن أن تكون عليه أدوارها خلال العقود المقبلة.

أم الإمارات.. تأسيس العمل المؤسسي للمرأة الإماراتية

حين تأسس الاتحاد النسائي العام في 27 أغسطس 1975 برئاسة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، كان الهدف يتجاوز إنشاء مؤسسة جديدة؛ فقد مثل الاتحاد إطاراً وطنياً لتنسيق العمل النسائي وتنظيم الجهود المتعلقة بالمرأة وتعزيز مشاركتها في مختلف مجالات التنمية. وتشير المصادر الرسمية إلى أن تأسيسه جاء في مرحلة كانت فيها دولة الإمارات تبني مؤسساتها الحديثة، لتأخذ قضية المرأة بدورها شكلاً مؤسسياً أكثر وضوحاً.

ومن المهم هنا ألا يُنظر إلى عام 1975 باعتباره بداية حضور المرأة الإماراتية في المجتمع، بل باعتباره محطة تأسيسية في تنظيم هذا الحضور وتحويله إلى عمل مؤسسي.

فقد ارتبط عمل الاتحاد منذ بداياته بقضايا التعليم والثقافة والعمل والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب دعم مشاركة المرأة في الحياة العامة. ومع مرور السنوات، تطورت هذه الأدوار لتواكب التحولات التي شهدتها الدولة نفسها.

ولهذا فإن قيمة تلك المرحلة لا تكمن في عدد المبادرات التي أطلقت خلالها فقط، بل في تأسيس منظومة يمكن تطويرها مع تغير احتياجات المرأة والمجتمع.

وكان التعليم أحد أبرز مفاتيح هذه المسيرة؛ إذ شكل الاستثمار في تعليم الفتاة وبناء قدراتها قاعدة أساسية للانتقال لاحقاً إلى العمل والقيادة والمشاركة في القطاعات المختلفة. وتوضح بيانات حديثة أوردتها وكالة أنباء الإمارات أن نسبة الأمية بين الإناث انخفضت من نحو 62% عام 1975 إلى 1.6% عام 2024، بينما بلغت نسبة الخريجات في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات 64% وفق البيانات الواردة في تقرير حديث عن مسيرة الاتحاد النسائي العام.

وهكذا، لم يكن التمكين مساراً منفصلاً عن التنمية، بل أصبح جزءاً من عملية بناء الإنسان الإماراتي.

من التمكين إلى الشراكة في التنمية

مع تطور الدولة، تغير أيضاً تعريف تمكين المرأة. فإذا كانت المرحلة الأولى قد ركزت بصورة أساسية على إتاحة التعليم والفرص وبناء المؤسسات، فإن المراحل اللاحقة اتجهت نحو ترسيخ المرأة كشريك في التنمية وصناعة القرار.

وقد انعكس ذلك في توسع حضور الإماراتيات في الحكومة والمجلس الوطني الاتحادي والاقتصاد وريادة الأعمال والتعليم والعلوم والتكنولوجيا والدبلوماسية وغيرها من المجالات، وهو حضور يمكن تتبعه من خلال نماذج نسائية إماراتية استطاعت أن تصنع أثراً في قطاعات مختلفة داخل الدولة وخارجها.

كما تطورت الأطر الوطنية نفسها؛ فأطلقت الشيخة فاطمة بنت مبارك في عام 2023 السياسة الوطنية لتمكين المرأة في دولة الإمارات 2023–2031، بعد مراحل سابقة شملت الاستراتيجية الوطنية لتقدم المرأة عام 2002 والاستراتيجية الثانية لتمكين وريادة المرأة 2015–2021.

وهذا التسلسل مهم لفهم مسيرة أم الإمارات؛ إذ يكشف أن التمكين لم يُعامل كهدف ثابت، بل كمسار يتغير مع تغير احتياجات المجتمع والاقتصاد ومتطلبات المستقبل.

فكل مرحلة رفعت سقف المرحلة التي سبقتها: من التعليم إلى العمل، ومن المشاركة إلى القيادة، ومن الحضور الوطني إلى التأثير الإقليمي والدولي.

رؤية أم الإمارات 50:50.. المستقبل حتى 2075

إذا كان تأسيس الاتحاد النسائي العام يمثل أحد أهم عناوين مرحلة بناء الأساس، فإن “رؤية أم الإمارات 50:50″ تمثل عنواناً لمرحلة أكثر ارتباطاً بالمستقبل.

وتقدم الرؤية، التي تمتد حتى 2075، إطاراً استراتيجياً يستند إلى أكثر من خمسين عاماً من العمل والإنجاز، ويربط تمكين المرأة بقضايا جودة الحياة والقطاعات المستقبلية وصناعة القرار والشراكات الدولية. وقد حدّثت المنصة الرسمية لحكومة الإمارات صفحتها الخاصة بالرؤية في يونيو 2026.

وترتكز الرؤية على ثلاثة مستهدفات رئيسية:

  • أن تكون دولة الإمارات ضمن أفضل الدول في تعزيز جودة حياة المرأة.
  • أن تصبح الإمارات نموذجاً عالمياً في تمكين المرأة في مختلف المجالات والقطاعات المستقبلية.
  • أن تكون من أفضل الحكومات عالمياً في صياغة مستقبل المرأة.

لكن أهمية الرؤية لا تكمن في طول أفقها الزمني فقط، بل في كونها أنها توسع تعريف التمكين نفسه.

فإلى جانب الأسرة والهوية الوطنية والحوكمة والاستراتيجيات، تضع الرؤية الشراكات الدولية التنموية ضمن مرتكزاتها، وتتحدث عن تعزيز دور الإمارات في صياغة أجندة المرأة عالمياً، وعن المرأة وصناعة القرار الدولي، وتمثيل المرأة الإماراتية في المنظمات الأممية، وإطلاق مبادرات وجوائز ذات أثر عالمي.

وبذلك تنتقل القصة من سؤال: كيف تحصل المرأة على الفرصة؟ إلى سؤال أكثر اتساعاً: كيف تستخدم المرأة هذه الفرصة لتشارك في صياغة المستقبل؟

وهنا تحديداً تكمن خصوصية قراءة مسيرة أم الإمارات في 2026.

من تمكين المرأة الإماراتية إلى بناء أثر عالمي

لا تتوقف الرؤية الجديدة عند حدود الدولة. ففي يوليو 2026، أطلق الاتحاد النسائي العام، تحت رعاية الشيخة فاطمة بنت مبارك، “مبادرة فاطمة بنت مبارك للريادة الرقمية للمرأة الأفريقية”، في خطوة تربط بين تمكين المرأة والمهارات الرقمية والاقتصاد المستقبلي.

وتقوم المبادرة على مسارين يستهدفان فئات مختلفة من النساء والفتيات، مع التركيز على التحول الرقمي والمهارات المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار، بما في ذلك مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والبرمجة والمهارات الرقمية.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تقدم نموذجاً عملياً للانتقال من تمكين المرأة الإماراتية إلى مشاركة الخبرة وبناء القدرات النسائية خارج حدود الدولة.

كما أنها تربط إرث أم الإمارات بواحد من أبرز ملفات المستقبل: الاقتصاد الرقمي.

فالمبادرة لا تكتفي بتقديم الدعم، وإنما تنطلق من فكرة نقل المعرفة والخبرة وبناء القدرات، بما يساعد النساء والفتيات على المشاركة بصورة أكثر فاعلية في التحول الرقمي والابتكار.

وهنا تتحول تجربة التمكين من نموذج وطني إلى تجربة يمكن أن يكون لها أثر أوسع.

من تمكين المرأة إلى حضورها في القرار الدولي

ويمتد هذا البعد العالمي إلى ملفات تتجاوز الاقتصاد والتكنولوجيا. ومن أبرز الأمثلة مبادرة الشيخة فاطمة بنت مبارك لتمكين المرأة في السلام والأمن، التي تستهدف تعزيز مشاركة المرأة في مجالات السلام والأمن وبناء القدرات النسائية في هذه الملفات.

وتكتسب هذه المبادرة أهميتها ضمن سياق أوسع؛ فالمرأة، في هذا التصور، لا تكون فقط شريكة في التعليم والعمل والاقتصاد، بل أيضاً في القضايا التي ترتبط بالاستقرار والسلام وصناعة القرار.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن المبادرة أسهمت في تدريب أكثر من 500 امرأة، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز مشاركة المرأة في نشر ثقافة الحوار والسلام وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية.

وهذه الزاوية تضيف بعداً مهماً إلى مسيرة أم الإمارات: الانتقال من تمكين المرأة داخل المجتمع إلى تعزيز حضورها في الملفات الدولية التي ترسم ملامح المستقبل.

“بنظهر الأقوى والأفضل”.. ماذا يعني الشعار في 2026؟

في هذا السياق تأتي عبارة “بنظهر الأقوى والأفضل” التي اختيرت شعاراً ليوم المرأة الإماراتية 2026. واللافت هذا العام أن الاحتفاء لا يقتصر على يوم واحد؛ إذ تمتد الفعاليات من 28 أغسطس إلى 28 سبتمبر 2026، بما يوسع مساحة الاحتفاء بالمرأة الإماراتية وإبراز إنجازاتها ومناقشة المرحلة المقبلة. ولهذا لا يبدو الشعار منفصلاً عن المسيرة السابقة. فـ«الأقوى والأفضل» هنا لا تعني نقطة وصول، بل تعكس فكرة الاستمرار في تطوير القدرات وتوسيع مجالات المشاركة والتأثير.

وهو معنى ينسجم مع التحول الذي تعكسه رؤية 50:50؛ فالمطلوب لم يعد إثبات قدرة المرأة على المشاركة، وإنما مواصلة الاستثمار في معرفتها وقيادتها وقدرتها على التعامل مع التحولات المقبلة.

وفي هذا الإطار، يأتي منتدى المرأة الإماراتية 2026 الذي تنظمه مؤسسة دبي للمرأة في 27 أغسطس، بالتزامن مع الاحتفالات، ليسلط الضوء على إسهامات المرأة الإماراتية في التنمية والمجالات التخصصية والمستقبلية، ويجمع مسؤولين وصناع قرار وقيادات تنفيذية حول عدد من القضايا المرتبطة بمستقبل المرأة.

وبذلك يتحول الشعار من عبارة احتفالية إلى عنوان لمرحلة جديدة: كيف تحافظ المرأة الإماراتية على مكتسباتها، وتوسع تأثيرها، وتستعد للقطاعات التي ستشكل اقتصاد ومجتمع المستقبل؟

لماذا تتجاوز مسيرة أم الإمارات حدود الإنجاز الفردي؟

ربما تكمن خصوصية تجربة الشيخة فاطمة بنت مبارك في أنها لا تختصر في الإنجازات المرتبطة بشخص واحد، بل في المنظومة التي ساهمت في بنائها واستمرارها وتطويرها.

يمكن قراءة هذا الأثر عبر ثلاثة مستويات.

أولاً: المؤسسة.
فقد ساهم تأسيس الاتحاد النسائي العام في وضع العمل النسائي ضمن إطار مؤسسي وطني منذ 1975.

ثانياً: الاستمرارية.
لم تتوقف المسيرة عند مرحلة تأسيسية واحدة، بل تطورت من الاستراتيجيات الوطنية لتقدم المرأة إلى استراتيجيات التمكين والريادة، ثم إلى السياسة الوطنية لتمكين المرأة 2023–2031، وصولاً إلى رؤية 50:50 الممتدة حتى 2075.

ثالثاً: التوسع.
لم تعد قضية المرأة محصورة في المجال المحلي، بل أصبحت تشمل الشراكات الدولية والاقتصاد الرقمي والسلام والأمن وصناعة القرار الدولي.

ومن هنا يمكن فهم استمرار حضور «أم الإمارات» في قصة المرأة الإماراتية: ليس فقط بوصفها شخصية ارتبط اسمها بمرحلة التأسيس، بل باعتبار مسيرتها جزءاً من عملية مؤسساتية تتغير مع الزمن وتعيد تعريف معنى التمكين نفسه.

أكثر من خمسة عقود.. من بناء الأساس إلى توسيع الأثر

تفصل أكثر من خمسة عقود بين تأسيس الاتحاد النسائي العام عام 1975 وبين رؤية تمتد إلى عام 2075.

لكن الأهم من المسافة الزمنية هو التحول الذي حدث خلالها.

في البداية، كان التحدي يتمثل في بناء الفرصة: التعليم، والتدريب، والعمل، وتنظيم العمل النسائي.

ثم أصبح التحدي هو توسيع المشاركة: في الاقتصاد، والقيادة، وصناعة القرار، والعلوم، والتكنولوجيا، والثقافة وغيرها.

أما اليوم، فتتجه الرؤية إلى تعظيم الأثر: أن تكون المرأة حاضرة في القطاعات المستقبلية، وأن تسهم في صياغة السياسات، وأن تمتلك أدوات التأثير، وأن تمتد خبرتها إلى خارج حدود الدولة.

وهذا ما يجعل مسيرة أم الإمارات قابلة للقراءة ليس باعتبارها قصة ماضٍ، وإنما باعتبارها قصة تطور مستمر.

أم الإمارات.. من بناء الفرصة إلى صناعة الأثر

في يوم المرأة الإماراتية 2026، لا تعود قصة الشيخة فاطمة بنت مبارك إلى الماضي لمجرد استعادة محطات مضت، بل لتفسير الطريق الذي أوصل المرأة الإماراتية إلى موقعها الحالي، وفهم الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه خلال العقود المقبلة.

من الاتحاد النسائي العام عام 1975 إلى رؤية أم الإمارات 50:50 حتى 2075، تغيرت الأسئلة وتوسعت الطموحات، لكن بقي جوهر واحد: بناء بيئة تستطيع فيها المرأة أن تكون شريكاً كاملاً في التنمية.

ولهذا فإن أهمية مسيرة أم الإمارات لا تقاس فقط بعدد المبادرات أو السنوات، بل بقدرتها على الانتقال مع تغير تعريف دور المرأة نفسه؛ من بناء الأساس إلى توسيع المشاركة، ومن المشاركة إلى القيادة، ومن الحضور المحلي إلى التأثير الدولي.

وفي 2026، تأتي عبارة “بنظهر الأقوى والأفضل” لتلخص هذه الروح: ما تحقق ليس نهاية المسيرة، بل قاعدة للمرحلة التالية.

فالمستقبل، وفق المنظور الذي تطرحه رؤية أم الإمارات 50:50، ليس مساحة تنتظر المرأة الإماراتية أن تدخلها، بل مساحة تستعد للمشاركة في صناعتها.

إقرأ أيضًا:

يوم المرأة الإماراتية 2026: “بنظهر الأقوى والأفضل” من مسيرة التمكين إلى صناعة المستقبل

من التمكين إلى الريادة: السياسة الوطنية للمرأة الإماراتية تصنع المستقبل

أم الإمارات.. الشيخة فاطمة بنت مبارك من تمكين المرأة إلى صناعة المستقبل

نساء إماراتيات ملهمات: شخصيات صنعت أثرًا في الإمارات والعالم

رائدات الأعمال الإماراتيات في صدارة المشهد: من التمكين إلى بناء العلامات التجارية

المصممات الإماراتيات يصنعن مستقبل الموضة.. من الهوية المحلية إلى المنافسة العالمية

مقالات مشابهة