مصدر الصورة: Getty
ما هي السياسة الوطنية لتمكين المرأة الإماراتية 2023-2031؟ ولماذا أطلقتها دولة الإمارات؟ وما أبرز أهدافها ومحاورها؟ وكيف تسهم في تعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل والاقتصاد والسياسة والقطاعات المستقبلية؟ وما علاقتها بيوم المرأة الإماراتية ومسيرة التمكين التي بدأت منذ تأسيس دولة الاتحاد؟ تمثل السياسة الوطنية لتمكين المرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة 2023-2031 أحد الأطر الوطنية الرئيسة التي تنظم وتوجه جهود الدولة في مجال تمكين المرأة وتعزيز ريادتها. وأُطلقت السياسة في أغسطس 2023 بقرار من مجلس الوزراء، بمناسبة يوم المرأة الإماراتية، تحت شعار “نتشارك للغد”، بهدف تحقيق مشاركة المرأة العادلة والشاملة في مختلف المجالات، وتعزيز جودة حياتها، وتوفير إطار مرجعي لصناع القرار في الجهات الحكومية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.
وتأتي السياسة امتداداً لمسيرة إماراتية انتقلت فيها قضية المرأة من إتاحة فرص التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية إلى مرحلة أكثر تقدماً تقوم على القيادة والريادة وصناعة القرار والاقتصاد المعرفي والابتكار والعلوم والتكنولوجيا والقطاعات المستقبلية. وبذلك، لا تنظر السياسة إلى تمكين المرأة باعتباره هدفاً منفصلاً عن التنمية، بل باعتباره جزءاً من منظومة ترتبط بالأسرة والاقتصاد والتعليم والتشريع والاستدامة والتنافسية الوطنية.
يوم المرأة الإماراتية 2026.. من الاحتفاء إلى العمل
في عام 2026، يكتسب هذا المسار دلالة إضافية مع احتفال الإمارات بيوم المرأة الإماراتية تحت شعار “بنظهر الأقوى والأفضل”، الذي أعلنته سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك “أم الإمارات”. ويمتد الاحتفاء من 28 أغسطس إلى 28 سبتمبر 2026، بما يحول المناسبة إلى مساحة وطنية لإطلاق المبادرات وإبراز قصص النجاح. ويأتي هذا الشعار في سياق مسار يتجاوز الاحتفاء بالإنجاز إلى مواصلة تطويره، لتصبح المرأة شريكاً فاعلاً في صناعة مستقبل الدولة.
ما هي السياسة الوطنية لتمكين المرأة الإماراتية 2023-2031؟
السياسة الوطنية لتمكين المرأة هي إطار وطني مرجعي يهدف إلى توحيد وتوجيه الجهود الرامية إلى تعزيز مشاركة المرأة الإماراتية في مختلف المجالات، وتحسين جودة حياتها، ودعم ريادتها، وضمان وجود بيئة تشريعية ومؤسسية ومجتمعية تساعدها على تحقيق طموحاتها. ولا تقتصر مسؤولية تنفيذها على جهة حكومية واحدة، بل تمتد إلى الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية والقطاع الخاص والمجتمع المدني. لذلك، فهي لا تقدم برنامجاً واحداً للمرأة، وإنما تضع إطاراً يمكن للجهات المختلفة الاستناد إليه عند تصميم السياسات والبرامج والتشريعات والمبادرات ذات الصلة بالمرأة.
لماذا أطلقت الإمارات سياسة جديدة حتى عام 2031؟
جاءت سياسة 2023-2031 بعد تقييم التجربة السابقة، ولا سيما الاستراتيجية الوطنية لتمكين وريادة المرأة 2015-2021. وتشير البيانات المنشورة عند إطلاق السياسة إلى أن الاستراتيجية السابقة حققت 518 مخرجاً موزعة على 153 مشروعاً و174 مبادرة و191 دراسة، بمشاركة 155 جهة وطنية. وانطلاقاً من هذه التجربة، انتقلت الإمارات إلى مرحلة جديدة تقوم على تقييم ما تحقق، وتحديد فرص التطوير، ثم بناء سياسة أكثر ارتباطاً بالاحتياجات المستقبلية للمرأة والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية. كما أُعدت السياسة بصورة تشاركية من خلال العمل مع الشركاء الاستراتيجيين لتحديد الأهداف والمبادرات والمؤشرات وقياس الأثر.
أهداف السياسة الوطنية لتمكين المرأة الإماراتية
يمكن تلخيص الأهداف الرئيسية للسياسة في أربعة مسارات مترابطة:
تعزيز مشاركة المرأة في جميع المجالات.
رفع جودة حياة المرأة والأسرة.
إدماج المرأة بصورة فاعلة ومتوازنة في سوق العمل والقطاعات المستقبلية.
تنمية قدرات المرأة ومهاراتها وتعزيز ريادتها.
ولا تعمل هذه الأهداف بمعزل عن بعضها؛ فوجود بيئة أسرية وتشريعية ومؤسسية داعمة يعزز قدرة المرأة على التعلم والعمل والابتكار وريادة الأعمال، فيما تسهم مشاركتها الاقتصادية والسياسية في دعم التنمية الوطنية.
الأسرة.. أساس التمكين وجودة الحياة

يأتي بناء أسرة مترابطة ومتماسكة وداعمة للمرأة ضمن التوجهات الرئيسية للسياسة. فالتمكين، وفق هذا النهج، لا ينظر إلى المرأة باعتبارها فرداً منفصلاً عن الأسرة والمجتمع، بل كشريك في بنائهما، مع توفير البيئة التي تساعدها على القيام بأدوارها المختلفة. ويتضمن ذلك تعزيز التماسك الأسري، وتوفير شبكات الدعم المجتمعي، وتطوير الخدمات التي تراعي احتياجات المرأة والأسرة، وتعزيز الصحة النفسية والجسدية، وتوفير خدمات حماية المرأة والأطفال من العنف. كما يرتبط هذا المحور بمفهوم أوسع لجودة الحياة والتوازن بين مختلف أدوار المرأة.
المرأة الإماراتية وسوق العمل: من المشاركة إلى التأثير
تسعى السياسة إلى الانتقال بالمرأة من المشاركة التقليدية في سوق العمل إلى المشاركة في اقتصاد المستقبل، من خلال زيادة فرص العمل الملائمة، وتطوير بيئات العمل، وتشجيع تأسيس المشاريع المبتكرة ودعم استدامتها، وتعزيز ريادة الأعمال. وتبرز في هذا السياق مجالات ترتبط بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، مثل: الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد الرقمي، علوم البيانات، التكنولوجيا المتقدمة، الفضاء، الطاقة النظيفة، الابتكار، الصناعات الإبداعية، ريادة الأعمال والبحث العلمي. وبذلك، لا يقتصر التمكين الاقتصادي على زيادة أعداد النساء العاملات، وإنما يستهدف رفع نوعية مشاركتهن وتحويلهن إلى موظفات وقائدات ورائدات أعمال ومستثمرات ومبتكرات وصانعات قرار اقتصادي.
تطوير القدرات ومهارات المستقبل
لا يمكن تحقيق الريادة من دون المعرفة والمهارة، لذلك تركز السياسة على تطوير قدرات المرأة وتعزيز مهاراتها المستقبلية، من خلال التعليم المستمر والتدريب المهني والتقني، وبرامج ريادة الأعمال، والتعليم المرتبط بالتجارة والتقنيات الرقمية، إلى جانب المهارات الحياتية. ويعكس هذا المحور تحولاً مهماً في مفهوم التمكين؛ فالهدف لا يقتصر على إتاحة الفرصة للمرأة، بل إعدادها لاغتنامها في ظل عالم تتغير فيه المهارات بسرعة، خصوصاً مع توسع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
التشريع الاستباقي.. حماية المرأة في المستقبل
من الأفكار الأساسية في السياسة اعتماد منظور استباقي يقوم على تطوير القوانين واللوائح بما يتناسب مع التحديات والتحولات المستقبلية، بدلاً من انتظار ظهور المشكلات ثم التعامل معها. ويشمل ذلك مواكبة التغيرات في أنماط العمل والأسرة والتكنولوجيا والاقتصاد، بما يضمن استمرار توفير الحماية والفرص للمرأة في بيئة متغيرة.
التمكين مسؤولية مشتركة
تؤكد السياسة أهمية الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب التعاون مع الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية. فالحكومة تضع السياسات والتشريعات، والقطاع الخاص يوفر الوظائف والاستثمارات والفرص القيادية، بينما تسهم المؤسسات التعليمية في بناء المعرفة والمهارات، ويقدم المجتمع المدني الدعم والمبادرات، وتوفر الأسرة البيئة الاجتماعية الأولى. ومن خلال تكامل هذه الأدوار، يتحول تمكين المرأة إلى منظومة متكاملة بدلاً من مجموعة مبادرات منفصلة.
كيف ترتبط السياسة برؤية الإمارات 2031 و2071؟
ترتبط السياسة الوطنية لتمكين المرأة بمجموعة من المرجعيات الوطنية والدولية، من بينها دستور دولة الإمارات، ورؤية الإمارات 2071، والمبادئ العشرة لدولة الإمارات، والاستراتيجيات الحكومية المحلية، إضافة إلى أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الخامس المتعلق بالمساواة بين الجنسين. وبالتالي، فإن تمكين المرأة لا يمثل مساراً منفصلاً عن المشروع التنموي الإماراتي، بل يرتبط ببناء الإنسان وتعزيز تنافسية الدولة والاستثمار في الأسرة والتعليم وسوق العمل والاقتصاد والابتكار والقيادة وجودة الحياة.
الاتحاد النسائي العام والشيخة فاطمة بنت مبارك
يحتل الاتحاد النسائي العام موقعاً محورياً في مسيرة تمكين المرأة الإماراتية. وقد تأسس في 27 أغسطس 1975، ليشكل آلية وطنية للعمل من أجل المرأة وتطوير البرامج والمبادرات التي تستجيب لاحتياجاتها. ويمثل إطلاق السياسة الوطنية 2023-2031 امتداداً لمسار مؤسسي بدأ مع الاستراتيجية الوطنية لتقدم المرأة عام 2002، ثم الاستراتيجية الوطنية لتمكين وريادة المرأة 2015-2021، وصولاً إلى السياسة الحالية. وترتبط هذه المسيرة بصورة وثيقة بجهود سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك “أم الإمارات”، رئيسة الاتحاد النسائي العام، التي أسهمت في دفع مسار تمكين المرأة وتطوير أطره المؤسسية. وعند إطلاق السياسة الجديدة، أكدت سموها أهمية مراجعة التجربة السابقة ورفع سقف الطموحات المتعلقة بمكانة المرأة الإماراتية.
منتدى المرأة الإماراتية 2026.. من السياسة إلى الحوار
تتجسد أهمية السياسة أيضاً في المبادرات والمنتديات التي تجمع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات المختلفة حول قضايا المرأة. وفي هذا السياق، تنظم مؤسسة دبي للمرأة الدورة الثانية من منتدى المرأة الإماراتية في 27 أغسطس 2026 بمدينة جميرا، بالتزامن مع احتفالات يوم المرأة الإماراتية، تحت شعار “بنظهر الأقوى والأفضل”. ويضم المنتدى جلسات حوارية وورش عمل بمشاركة جهات حكومية وشبه حكومية وخاصة، ويناقش قضايا تتجاوز التصورات التقليدية لدور المرأة لتشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة والهندسة والنقل والاستدامة والقيادة.
ماذا تحقق السياسة بحلول 2031؟
لا ينبغي النظر إلى عام 2031 باعتباره مجرد تاريخ لانتهاء السياسة، بل محطة لقياس مدى نجاح الدولة في بناء منظومة أكثر نضجاً لتمكين المرأة. ويتمثل الطموح في الوصول إلى بيئة تصبح فيها مشاركة المرأة في الاقتصاد والقيادة والعلوم والتكنولوجيا والابتكار أمراً طبيعياً ومستداماً، بحيث تصبح تكافؤ الفرص وتطوير المهارات وجودة الحياة والمشاركة القيادية مكونات راسخة في السياسات الحكومية والممارسات المؤسسية.
المرأة الإماراتية.. شريك في الحاضر وصانع للمستقبل
تمثل السياسة الوطنية لتمكين المرأة الإماراتية 2023-2031 مرحلة جديدة في مسيرة طويلة بدأت منذ السنوات الأولى لقيام الاتحاد، وتطورت عبر تأسيس الاتحاد النسائي العام والاستراتيجيات الوطنية السابقة، وصولاً إلى إطار أكثر شمولاً يربط تمكين المرأة بجودة الحياة والأسرة والاقتصاد والتعليم والتشريع والابتكار. وتكمن أهمية هذه السياسة في انتقالها بالتمكين من مفهوم إتاحة الفرص إلى بناء القدرات وإزالة العوائق وتطوير التشريعات وتحسين بيئة العمل وتعزيز ريادة الأعمال والاستعداد للقطاعات المستقبلية. أما يوم المرأة الإماراتية، فيبقى محطة وطنية لتجديد الطموح واستعراض ما تحقق والتطلع إلى ما هو قادم. وفي 2026، يختصر شعار “بنظهر الأقوى والأفضل” هذه المرحلة، حيث لا يصبح تمكين المرأة نهاية المسار، بل طريقاً إلى الريادة، ولا تكون الريادة النسائية إنجازاً فردياً فحسب، وإنما قوة مضافة إلى مستقبل الإمارات.