يُعدّ فندق دار طنطورة في العلا واحداً من أبرز المشاريع التراثية التي جمعت بين أصالة العمارة السعودية القديمة ولمسات التصميم العصري الراقي، ليصبح وجهةً مميزة لعشاق التاريخ والفخامة في آنٍ واحد. ويأتي هذا المشروع ليُجسّد رؤية متكاملة لإحياء المواقع الأثرية وتحويلها إلى تجارب ضيافة استثنائية تليق بمكانة العلا التاريخية، وتعكس عمق الإرث الحضاري الذي تزخر به المنطقة منذ مئات السنين، فضلاً عن كونه نموذجاً يُحتذى به في عالم الفنادق البوتيكية الفاخرة.
فندق دار طنطورة: رحلة تحويل الموقع الأثري إلى تحفة معمارية

واجهت المهندسة المعمارية المصرية شهيرة فهمي تحدياً كبيراً في إنجاز عملية إعادة بناء موقع أثري قديم وتحويله إلى منشأة فندقية فاخرة، تحت إدارة شركة هاوس هوتيل، وذلك في قلب البلدة القديمة التاريخية بمحافظة العلا، حيث تتعانق عبق الماضي وروح المعاصرة في صورة بصرية آسرة.
اختيرت فهمي من قِبل الهيئة الملكية لمحافظة العلا، لتحويل العديد من المباني القديمة المبنية من الطوب اللبن إلى منشأة فندقية متكاملة الخدمات. وعلى الرغم من صعوبة هذه المهمة وتعقيداتها التقنية والتراثية، إلا أنّ فهمي وفريقها كرّسوا وقتهم وجهدهم لإنجاز المشروع واستكماله في ستة أشهر فقط، ليفتح فندق دار طنطورة أبوابه أمام الضيوف في الحادي والعشرين من شهر يناير، حاملاً معه قصة نجاح ملهمة في عالم الترميم المعماري المستدام.
تفاصيل الترميم والتصميم الداخلي
تمّ ترميم ثلاثين غرفة في المجمل داخل المنشأة، مع الحرص الكامل على الحفاظ على الطابع الأصيل لكل مساحة من مساحات المبنى. وقالت المهندسة المعمارية إنّ سكان المدينة الأوائل استخدموا قبل ثمانمئة عام الطابق الأرضي مكاناً للعمل ولقاء العائلة والأصدقاء، بينما خُصّص الطابق الأول لغرف النوم والحمّامات الخاصة، وفق نمط معيشي تقليدي يعكس بساطة الحياة وعمقها الإنساني.
كما قام السكان قديماً بتبييض الجدران الداخلية وتزيينها بالجداريات الحمراء والزرقاء ذات الطابع المحلي، وتمكّن فريق العمل من الحفاظ على هذه التصاميم الأصيلة بالتعاون مع الفريق الأثري المختص، ليبقى الطابع التراثي حاضراً في كل زاوية من زوايا المبنى ومرئياً لكل زائر.
الحرفية المحلية واللمسات الفنية في فندق دار طنطورة
عملت فهمي وفريقها مع حرفيين وباحثين محليين من أبناء المنطقة، إلى جانب فريق متخصص من مصر قَدِم من واحة سيوة للمساعدة في إنجاز هذا المشروع، اعتماداً على خبرتهم العميقة والمتراكمة في العمل باستخدام الطوب اللبن ومواد سعف النخيل، وهي الخامات التقليدية التي تشكّل هوية العمارة الصحراوية الأصيلة.
كذلك جرى رسم عدد من اللوحات الجدارية الفنية التي تُزيّن جدران فندق دار طنطورة على يد مجموعة من الفنانين المحليين الشباب، ما أضفى لمسة فنية معاصرة تتناغم مع روح المكان التاريخية، وعكست الهوية البصرية الفريدة التي يتميز بها المشروع بأكمله، في توازن بديع بين الموروث والحداثة.
شهيرة فهمي: سيرة معمارية حافلة بالإنجازات
حصلت فهمي، التي عملت في مشاريع متنوعة في أوروبا والشرق الأوسط، على زمالات جامعة هارفارد ثلاث مرّات تقديراً لعملها المعماري الرائد والحائز على جوائز عالمية مرموقة، وهي: زمالة LOEB في كلية الدراسات العليا للتصميم، ومنحة هاتشينز في معهد أبحاث دبليو إي بي دو بوا في كلية الدراسات العليا في الآداب والعلوم، وزمالة بيركمان كلاين في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، ما يعكس ثقل اسمها في الأوساط الأكاديمية والمعمارية الدولية على حدٍّ سواء.
كما ظهرت فهمي في كتاب «100 امرأة: مهندسون معماريون في الممارسة»، من تأليف مونيكا باريندر، وناعومي هاوس، وتوم رافنسكروفت، وهارييت هاريس، الذي نشره المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين، تكريماً لمسيرتها المهنية الاستثنائية ومساهمتها البارزة في عالم العمارة المستدامة والتراثية.
وجهة سياحية تستحق الاكتشاف

يُمثّل المشروع نموذجاً ملهماً لكيفية الحفاظ على التراث المعماري السعودي وتقديمه بصورة عصرية تلبّي تطلعات الزوار من مختلف أنحاء العالم. ولمن يرغب في استكشاف المزيد من التجارب المماثلة، يمكن الاطلاع على دليل أفضل وجهات السفر الذي يضمّ مجموعة منتقاة من الأماكن الاستثنائية حول العالم، أو زيارة قسم سياحة للتعرّف على أحدث الوجهات السياحية الفاخرة وأكثرها جاذبية للمسافرين الباحثين عن تجارب فريدة من نوعها.
كما يمكن لعشاق التراث الساحلي الاطلاع على مقالنا المميز عن قرية الرايس، إحدى الجواهر التاريخية على ساحل البحر الأحمر، والتي تشاركنا قصصاً مشابهة من الإرث الثقافي السعودي العريق. ولمتابعة المزيد من الموضوعات الثرية والمحتوى المتنوع، تابعونا على مجلة اليقظة الجديدة، حيث نقدّم لكم باقة منتقاة من أرقى المقالات في عالم السفر والثقافة وأسلوب الحياة العصري.
خاتمة
في الختام، يبقى فندق دار طنطورة شاهداً حياً على نجاح المملكة العربية السعودية في صَون موروثها التاريخي وتقديمه بأسلوب يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ليكون وجهةً مثالية لكلّ من يبحث عن تجربة ضيافة فريدة تحاكي عبق الماضي بروح الحاضر، وتمنح زوّارها لحظات لا تُنسى وسط أحضان تاريخ ضارب في القِدم.