ماذا يحدث عندما لا تكون الملابس جزءًا من مظهر الشخصية، بل جزءًا من تكوينها؟
هذا هو السؤال الذي يبدو أن المخرجة الفرنسية Claire Denis تطرحه في Avec Kim، أحدث أفلام مشروع Miu Miu Women’s Tales، حيث لا تأتي الموضة لتزيين الصورة السينمائية، بل لتشارك في صناعتها. في هذا الفيلم القصير، تصبح الملابس إحدى الأدوات التي تكشف التحول الداخلي للشخصية، فيما يتحول الجسد والحركة والموسيقى والمدينة إلى عناصر متساوية في بناء الحكاية.
وقد عُرض Avec Kim، بوصفه الحلقة الثانية والثلاثين من Miu Miu Women’s Tales، في برنامج Giornate degli Autori ضمن مهرجان البندقية السينمائي في 5 سبتمبر 2026، الفيلم من كتابة وإخراج Claire Denis، ومدته 12 دقيقة، وتشارك في بطولته Suzanne Lindon وKim Gordon.
من المرآب إلى شوارع باريس: الملابس تصنع شخصية جديدة
يبدأ Avec Kim في مكان بعيد تمامًا عن عالم الأزياء اللامع: مرآب لتصليح السيارات، مضاء بضوء أبيض فلوري، حيث تظهر شابة بملابس الميكانيكي، ووجهها وملابسها مغطاة بآثار العمل، وهي منهمكة في إصلاح سيارة ضخمة تعود إلى حقبة الثمانينيات.
إنها صورة لامرأة في قلب فعل عملي ومادي. لا توجد هنا أناقة بالمعنى التقليدي، ولا محاولة لتقديم الشخصية بوصفها رمزًا للجمال. هناك جسد يعمل، ويد تتحرك، وملابس تؤدي وظيفة واضحة.
ثم يحدث التحول.
تخرج السيارة من المرآب إلى شوارع باريس، وتظهر المرأة نفسها خلف المقود، لكن بصريًا تبدو شخصية أخرى: ملابس جلدية داكنة، شعر ونظارات شمسية، وحضور يستحضر صورة امرأة من حقبة أخرى. لا تحتاج Denis إلى حوار طويل لتخبرنا أن شيئًا تغير؛ الملابس نفسها أصبحت جزءًا من السرد.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أكثر الأفكار إثارة في الفيلم: الملابس لا تعكس الشخصية فقط، بل تساعدها على الانتقال من شخصية إلى أخرى.
Claire Denis سينما تبدأ من الجسد
اختيار Claire Denis لهذه الحلقة ليس تفصيلًا عابرًا.فالمخرجة الفرنسية بنت جزءًا كبيرًا من لغتها السينمائية على العلاقة بين الصورة والجسد والحركة والإحساس. ويصف مشروع Miu Miu Women’s Tales أسلوبها بأنه قريب من مفهوم سينما الجسد، حيث تتقدم التجربة الحسية والصورة والصوت والحضور الجسدي على السرد التفسيري المباشر.
وهذه ليست سمة طارئة في مسيرتها. منذ Chocolat عام 1988، مرورًا بـBeau Travail و35 Shots of Rum وWhite Material وHigh Life، وصولًا إلى Stars at Noon، اهتمت Denis بالمسافة بين الشخصيات وأجسادها ومحيطها، وبالطريقة التي يمكن أن تروي بها الحركة ما تعجز الكلمات عن قوله. وقد فاز Stars at Noon بالجائزة الكبرى في مهرجان كان عام 2022.
لذلك يبدو Avec Kim امتدادًا منطقيًا لعالمها السينمائي، ولكن داخل مساحة أكثر اختزالًا وتجريدًا.
الجسد أولًا… ثم الملابس
في عالم Denis، لا يبدو الجسد مجرد حامل للملابس، إنه نقطة البداية.
الميكانيكية في المرآب تتحرك بطريقة دقيقة وعملية، بينما يتغير إيقاعها عندما تغادر المكان وتصبح سائقة تجوب باريس. ومع تبدل الملابس، يتبدل حضور الجسد نفسه أمام الكاميرا.
البدلة العملية تقول شيئًا عن علاقتها بالعمل.
الجلد الداكن يقول شيئًا آخر عن علاقتها بالمدينة.
والنظارات والشعر وطريقة القيادة تكمل الصورة الجديدة.
هكذا يصبح الانتقال بين الملابس أشبه بعملية إعادة تركيب للشخصية.
وهذا تحديدًا ما يجعل الموضة في Avec Kim مختلفة عن حضورها التقليدي في السينما. فالأزياء هنا ليست مجرد تصميم للشخصية، وإنما جزء من لغة الجسد.
من الأنوثة التقليدية إلى الأنوثة المتحركة

لطالما ارتبطت صورة المرأة في السينما بملابس تُستخدم لتحديد هويتها: المرأة الرومانسية، المرأة القوية، المرأة الغامضة، المرأة المرغوبة.
لكن Avec Kim يبدو أكثر اهتمامًا بالسؤال الذي يسبق كل هذه التصنيفات:
هل تستطيع المرأة أن تعيد اختراع صورتها بنفسها؟
الشابة التي نراها في بداية الفيلم لا تختفي عندما ترتدي الجلد. إنها ببساطة تكشف جانبًا آخر منها. وهنا تتقاطع رؤية Denis مع فلسفة Women’s Tales، المشروع الذي يمنح مخرجات سينمائيات معاصرات مساحة لاستكشاف أفكار الأنوثة في القرن الحادي والعشرين. منذ إطلاقه، جعلت Miu Miu من السلسلة مساحة للحوار بين السينما والموضة والثقافة، بحيث تصبح الملابس جزءًا من عالم الفيلم وليس مجرد خلفية بصرية له.
Suzanne Lindon شخصية تتحرك بين هويتين

تؤدي Suzanne Lindon دور المرأة الشابة في الفيلم، وهي ممثلة وكاتبة ومخرجة فرنسية ظهرت للمرة الأولى سينمائيًا في Spring Blossom، الفيلم الذي كتبته وأخرجته وهي في التاسعة عشرة من عمرها، وفق السيرة التي تقدمها Miu Miu.
وجود Lindon في هذا المشروع يضيف بعدًا آخر إلى فكرة الفيلم؛ فهي ليست مجرد ممثلة تؤدي شخصية مكتوبة مسبقًا، بل فنانة شابة تنتمي أصلًا إلى مساحة تتقاطع فيها السينما والكتابة والإخراج.
وفي Avec Kim، تصبح الشخصية التي تؤديها في حالة انتقال دائم: من المرآب إلى السيارة، ومن السيارة إلى شوارع باريس، ومن مظهر الميكانيكية إلى صورة المرأة ذات الحضور الحضري اللافت.
Kim Gordon الموسيقى كصوت للمدينة

إلى جانب Suzanne Lindon، تظهر Kim Gordon، المؤسسة المشاركة لفرقة Sonic Youth، والتي تشارك في الفيلم أيضًا من خلال الموسيقى.
وهنا تكتمل المعادلة التي تبنيها Denis:
الجسد + الملابس + الحركة + الموسيقى + المدينة.
فالموسيقى ليست مجرد خلفية صوتية، بل عنصر أساسي في الرحلة التي تقوم بها الشخصية. وتؤكد بيانات الفيلم الرسمية أن Gordon هي صاحبة الموسيقى، بينما تولى Eric Gautier التصوير وGuy Lecorne المونتاج، في تعاون يجمع بين الصورة والحركة والصوت في بناء عالم الفيلم.
باريس ليست خلفية… بل شخصية أخرى

بعد خروج السيارة من المرآب، تتحول باريس إلى جزء من الحكاية.
تتحرك الشخصية في شوارع المدينة، وتتوقف لمساعدة فتاة تواجه صعوبة في عبور الطريق وهي تحمل قطعة أثاث ثقيلة، هذه التفاصيل الصغيرة هي جوهر الفيلم؛ فالقصة لا تعتمد على حدث كبير، وإنما على سلسلة من اللقاءات والحركات والمواقف العابرة.
وهنا يظهر مفهوم الطريق أو الـroad movie بطريقة مختلفة.
ليست الرحلة للوصول إلى مكان معين بقدر ما هي وسيلة لاكتشاف الشخصية.
كل شارع يكشف شيئًا.
كل حركة تضيف طبقة.
وكل تغيير في الملابس يعيد ترتيب الصورة.
حين تصبح الكاميرا شريكًا في تصميم الحركة

تكتسب علاقة Denis بالكاميرا أهمية خاصة في هذا السياق. فالمخرجة معروفة بمنح ممثليها مساحة للتكيف والارتجال، فيما تنظر إلى الكاميرا بوصفها شريكًا في تنظيم حركة الممثلين. وتقدم Miu Miu وصفًا لطريقتها في العمل باعتبار الكاميرا عنصرًا قريبًا ومحترمًا للممثلين، وهو ما ينسجم مع طبيعة Avec Kim التي تعتمد على الإيماءات والحركة بقدر اعتمادها على الحوار.
Women’s Tales عندما تصبح الموضة إحدى الشخصيات

منذ إطلاق Miu Miu Women’s Tales، لم تتعامل الدار مع المشروع بوصفه سلسلة أفلام دعائية تقليدية. الفكرة الأساسية هي منح مخرجات من أجيال وخلفيات مختلفة الحرية في تقديم رؤيتهن الخاصة للأنوثة، مع حضور أزياء Miu Miu داخل السرد.
وفي هذا السياق، يصبح من الممكن النظر إلى الملابس باعتبارها شخصية إضافية في الفيلم: لا تتحدث، لكنها تؤثر في طريقة ظهور البطلة وحركتها وعلاقتها بالآخرين.
وتأتي الحلقة الثانية والثلاثون لتؤكد هذا النهج بطريقة شديدة الوضوح.
في Avec Kim، لا تقول الملابس: “انظروا إلى هذه الإطلالة”.
بل تقول:”انظروا إلى ما يمكن أن تصبح عليه هذه المرأة” وهذا فرق جوهري.
Claire Denis وMiu Miu
حوار بين السينما والموضة

هذا التلاقي بين Denis وMiu Miu يبدو منطقيًا لأن الطرفين ينطلقان من سؤال متقارب: كيف يمكن للمرأة أن تكون أكثر من الصورة التي تُفرض عليها؟
Denis تفكك الصورة عبر الجسد والحركة والنظرة.
وMiu Miu تفتح مساحة للملابس كي تشارك في إعادة صياغة هذه الصورة.
والنتيجة فيلم قصير لا يحتاج إلى حبكة ضخمة ليطرح سؤالًا كبيرًا حول الأنوثة.
من نكون عندما نغير الطريقة التي نتحرك بها؟
وماذا يمكن أن تفعل بنا الملابس عندما لا نرتديها فقط، بل نسمح لها بأن تعيد تشكيل حضورنا؟
وهكذا تصبح الموضة جزءًا من اللغة البصرية التي تميز أبرز إطلالات السجادة الحمراء في مهرجان البندقية 2026
إقرأ أيضًا:
مهرجان البندقية السينمائي 2026: دورة جديدة بأسماء كبيرة وأسئلة أكبر
كوثر بن هنية: من «صوت هند رجب» إلى لجنة تحكيم فينيسيا
ماي إل-توخي: المخرجة الوحيدة في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية 2026
السينما العربية في مهرجان البندقية 2026: حضور لافت خارج المسابقة الرسمية
ثلاث مخرجات يقررن الفائز ومخرجة واحدة تنافس.. مفارقة مهرجان البندقية 2026