إلين بورستين.. الأسد الذهبي في فينيسيا تتويج لمسيرة استثنائية في السينما

مصدر الصورة: حساب مهرجان فينيسيا السينمائي على إنستغرام

في لحظة تليق بمسيرة امتدت أكثر من ستة عقود، تسلّمت الممثلة الأميركية إلين بورستين الأسد الذهبي للإنجاز مدى الحياة من مهرجان فينيسيا السينمائي، لتضيف واحدة من أرفع الجوائز السينمائية إلى مسيرة جمعت بين جوائز الأوسكار وTony وجوائز Emmy، ورسخت حضورها كواحدة من أكثر الممثلات تأثيرًا في السينما والمسرح والتلفزيون الأميركي.

جاء التكريم خلال الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي، التي تقام على جزيرة الليدو في البندقية الإيطالية بين 2 و12 سبتمبر، وارتبط أيضًا بعرض فيلم Flesh Impact للمخرجة Maggie Gyllenhaal، الذي تؤدي فيه بورستين دور نسخة متخيلة من مارلين مونرو في سنواتها المتقدمة.

لكن الأسد الذهبي في حالة إلين بورستين لا يحتفي فقط باسم ارتبط بأفلام شهيرة؛ إنه يكرّم ممثلة استطاعت أن تجعل من الشخصيات النسائية المعقدة محورًا أساسيًا في تجربتها، وأن تنتقل بين أجيال السينما من The Last Picture Show وThe Exorcist إلى Requiem for a Dream وInterstellar، وصولًا إلى أعمالها الحالية وهي في الثالثة والتسعين.

إلين بورستين.. بداية مختلفة عن صورة النجمة التقليدية

لم تصل إلين بورستين إلى النجومية عبر طريق مختصر. بدأت مسيرتها في عالم الترفيه قبل أن تصبح واحدة من أبرز ممثلات جيلها، وظهرت في بداياتها على التلفزيون تحت اسم Ellen McRae، قبل أن تتبلور هويتها الفنية التي سترافقها لاحقًا باسم Ellen Burstyn.

وتكشف سيرتها الرسمية عن حضور مبكر في عدد من المسلسلات التلفزيونية، بينها Surfside 6 عام 1961، وBen Casey وPerry Mason عام 1962، ثم The Virginian وGunsmoke وغيرها. كما كانت من المشاركات في The Jackie Gleason Show.

هذه المرحلة لم تكن مجرد سلسلة أدوار صغيرة؛ فقد أتاحت لها العمل المتواصل أمام الكاميرا، وتطوير أدواتها قبل أن تنتقل إلى الأدوار السينمائية التي ستصنع شهرتها.

المسرح.. المدرسة التي سبقت هوليوود

Same Time, Next Year.. المسرحية التي منحتها جائزة Tony- مصدر الصورة: imdb
Same Time, Next Year.. المسرحية التي منحتها جائزة Tony- مصدر الصورة: imdb

ظل المسرح جزءًا أساسيًا من تكوين بورستين. وقد وصلت مسيرتها المسرحية إلى واحدة من أهم محطاتها مع مسرحية Same Time, Next Year على برودواي، وهو العمل الذي منحها جائزة Tony.

وتكمن أهمية هذه المحطة في أنها لم تكن جائزة منفصلة عن السينما، بل أصبحت جزءًا من إنجاز تاريخي في العام نفسه.

ففي 1975، أصبحت بورستين ثالث امرأة في التاريخ تفوز في العام ذاته بجائزة Tony عن Same Time, Next Year وبجائزة Academy Award عن Alice Doesn’t Live Here Anymore.

وهنا بدأت ملامح ما سيصبح لاحقًا إحدى أكثر مسيرات التمثيل تكاملًا في هوليوود: ممثلة تنجح في المسرح كما تنجح أمام الكاميرا.

The Last Picture Show بداية الاعتراف السينمائي الكبير

The Last Picture Show.. أول ترشيح يفتح باب الأوسكار - مصدر الصورة: imdb
The Last Picture Show.. أول ترشيح يفتح باب الأوسكار – مصدر الصورة: imdb

قبل أن تصل إلى أوسكارها، كان فيلم The Last Picture Show للمخرج Peter Bogdanovich محطة مفصلية في مسيرتها.

الفيلم، الذي صدر عام 1971، منح بورستين أول ترشيح لها لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثلة مساعدة. وتؤكد سجلات أكاديمية الأوسكار أن الفيلم حصل على ثمانية ترشيحات وفاز بجائزتين، بينما كانت بورستين ضمن المرشحات عن أدائها.

كان ذلك الدور إعلانًا عن ممثلة قادرة على تقديم شخصيات تحمل ثقلًا اجتماعيًا وإنسانيًا، وهو الاتجاه الذي سيصبح أحد أهم ملامح مسيرتها.

The Exorcist الشهرة العالمية

Chris MacNeil.. الدور الذي رسّخ حضور بورستين - مصدر الصورة: imdb
Chris MacNeil.. الدور الذي رسّخ حضور بورستين – مصدر الصورة: imdb

بعد ذلك بعامين، جاءت إحدى أكثر المحطات شهرة في تاريخ بورستين: The Exorcist، الذي أخرجه William Friedkin وصدر عام 1973.

قدمت بورستين شخصية Chris MacNeil، الأم التي تواجه تجربة استثنائية ومخيفة، وحصلت عن أدائها على ترشيح للأوسكار في فئة أفضل ممثلة في حفل عام 1974. وتظهر سجلات أكاديمية الأوسكار أن The Exorcist حصل على عشرة ترشيحات وفاز بجائزتين، بينما كانت بورستين ضمن المرشحات لأفضل ممثلة.

كان الفيلم نقطة تحول في مسيرتها؛ فقد نقلها من دائرة التقدير النقدي إلى النجومية العالمية، لكنه لم يحصرها في نوع واحد من الأدوار.

Alice Doesn’t Live Here Anymore الأوسكار والدور الذي غيّر صورة المرأة

Alice Doesn't Live Here Anymore.. الفيلم الذي منح بورستين أوسكارها - مصدر الصورة: imdb
Alice Doesn’t Live Here Anymore.. الفيلم الذي منح بورستين أوسكارها – مصدر الصورة: imdb

بعد The Exorcist، جاءت الشخصية التي أصبحت ربما الأكثر ارتباطًا بإرث بورستين: Alice Hyatt في فيلم Alice Doesn’t Live Here Anymore للمخرج Martin Scorsese.

صدر الفيلم عام 1974، وحصلت بورستين عن دورها على جائزة Academy Award لأفضل ممثلة في حفل 1975. وتؤكد أكاديمية الأوسكار رسميًا فوزها، إلى جانب ترشيحات الفيلم في فئات أخرى.

أهمية الفيلم لم تكن في الجائزة وحدها. فقد قدمت بورستين امرأة تحاول استعادة قدرتها على تقرير مصيرها، في وقت كانت فيه السينما الأميركية تشهد تحولات مهمة في طريقة تصوير النساء وحياتهن اليومية.

ولهذا يرى مهرجان فينيسيا أن هذا الدور كان من الأعمال التي أسهمت في جعل بورستين رمزًا لشخصيات نسائية تعكس الهوية والتحول والرغبة في الحرية.

1975 عام جمع الأوسكار وTony

1975.. عام التاج المزدوج لإيلين بورستين - مصدر الصورة: imdb
1975.. عام التاج المزدوج لإيلين بورستين – مصدر الصورة: imdb

يصعب الحديث عن مسيرة إلين بورستين من دون التوقف عند عام 1975.

في ذلك العام، لم تكن قد حصلت على الأوسكار فحسب، بل جمعت بين أهم جائزتين في السينما والمسرح الأميركيين خلال السنة نفسها: Academy Award عن Alice Doesn’t Live Here Anymore وTony Award عن Same Time, Next Year. وتذكر Television Academy أنها كانت ثالث امرأة تحقق هذا الإنجاز.

هذا الإنجاز وضعها في موقع نادر بين الممثلات الأميركيات، لكنه لم يكن نهاية المسيرة، بل بداية مرحلة أكثر تنوعًا.

مسيرة مع أبرز المخرجين

إيلين بورستين.. مسيرة صنعتها شراكات سينمائية بارزة - مصدر الصورة: imdb
إيلين بورستين.. مسيرة صنعتها شراكات سينمائية بارزة – مصدر الصورة: imdb

لم تعتمد بورستين على العمل مع مخرج واحد أو على تكرار نجاح تجربة سابقة.

خلال مسيرتها، تعاونت مع أسماء بارزة في السينما، من Martin Scorsese إلى Alain Resnais وBob Rafelson وPaul Schrader وDarren Aronofsky وChristopher Nolan.

ويشير مهرجان فينيسيا إلى أن رصيدها السينمائي يقترب من 150 فيلمًا، وهو رقم يوضح اتساع التجربة وتنوعها. ومن بين الأعمال التي يسلط عليها المهرجان الضوء: Providence، وThe King of Marvin Gardens، وAlex in Wonderland، وHarry and Tonto، وRequiem for a Dream وInterstellar.

Requiem for a Dreamالوجه الآخر للأمومة

Requiem for a Dream.. حين تصبح الأمومة مأساة - مصدر الصورة: imdb
Requiem for a Dream.. حين تصبح الأمومة مأساة – مصدر الصورة: imdb

في عام 2000، قدمت بورستين أحد أكثر أدوارها تأثيرًا في فيلم Darren Aronofsky Requiem for a Dream.

أعاد الدور وضعها في دائرة جوائز الأوسكار، إذ حصلت على ترشيح لأفضل ممثلة عن أدائها، ليصبح ذلك الترشيح الخامس لها في مسيرتها حتى ذلك الوقت. وتؤكد Television Academy أن ترشيحاتها للأوسكار شملت The Last Picture Show وThe Exorcist وSame Time, Next Year وResurrection وRequiem for a Dream.

كان الدور مختلفًا تمامًا عن الصورة التقليدية التي ارتبطت بها في مراحل سابقة، وأثبت مرة أخرى أن بورستين لم تكن تخشى الشخصيات القاسية أو المعقدة أو غير المريحة.

Interstellar حضور يصل إلى جيل جديد

Interstellar.. حين تصل مسيرة بورستين إلى جيل جديد - مصدر الصورة: imdb
Interstellar.. حين تصل مسيرة بورستين إلى جيل جديد – مصدر الصورة: imdb

بعد عقود من العمل، لم تتحول بورستين إلى اسم من الماضي.

في Interstellar للمخرج Christopher Nolan، ظهرت أمام جمهور عالمي جديد، مؤكدة قدرتها على الانتقال بين أجيال السينما.

ويذكر مهرجان فينيسيا الفيلم ضمن مجموعة الأعمال التي تلخص تعاونها مع أبرز مخرجي السينما، في سياق مسيرة لم تتوقف عند مرحلة السبعينيات، بل استمرت في التوسع والتجدد.

التاج الثلاثي.. Oscar وTony وEmmy

التاج الثلاثي.. حين اجتمعت أرفع جوائز التمثيل - مصدر الصورة: imdb
التاج الثلاثي.. حين اجتمعت أرفع جوائز التمثيل – مصدر الصورة: imdb

في عام 2009، حصلت بورستين على أول جائزة Emmy لها عن ظهورها في مسلسل Law & Order: Special Victims Unit.

ثم أضافت Emmy ثانية عام 2013 عن دورها في المسلسل القصير Political Animals. وبذلك أصبحت من أصحاب ما يعرف بـTriple Crown of Acting، أي الفوز بجوائز Oscar وTony وEmmy.

وتشير Television Academy إلى أنها حصلت أيضًا على ترشيحات Emmy عن أعمال مثل The People v. Jean Harris وPack of Lies وBig Love وMrs. Harris وHouse of Cards وغيرها.

ما وراء التمثيل.. دور قيادي في Actors Studio

إرث إلين بورستين لا يتوقف أمام الكاميرا.

فقد درست في Actors Studio تحت إشراف Lee Strasberg، ثم تولت لاحقًا منصب المدير الفني للمؤسسة، كما أصبحت لاحقًا من رؤسائها المشاركين.

وكان لها كذلك حضور في الحياة المهنية للممثلين، إذ أصبحت عام 1982 أول امرأة تنتخب رئيسة لـActors’ Equity Association، وشغلت المنصب حتى عام 1985.

وهذا الجانب من مسيرتها مهم لفهم مكانتها: بورستين لم تكن ممثلة ناجحة فحسب، بل كانت أيضًا جزءًا من المؤسسات التي تناقش مستقبل المهنة وتدريب الممثلين وشروط العمل الفني.

من الجوائز إلى الكتابة والتعليم

بورستين.. حين امتدت مسيرتها إلى الكتابة والشعر - مصدر الصورة: Pinterest
بورستين.. حين امتدت مسيرتها إلى الكتابة والشعر – مصدر الصورة: Pinterest

امتد اهتمام بورستين بفن التمثيل إلى التعليم والكتابة. وتحمل أربعة ألقاب دكتوراه فخرية، كما تدرّس في برنامج Actors Studio MFA في Pace University.

وفي عام 2006، أصدرت مذكراتها Lessons in Becoming Myself، التي أصبحت من الكتب الأكثر مبيعًا على المستوى الوطني. وفي عام 2026 أصدرت كتابًا شعريًا بعنوان Poetry Says It Better: Poems to Help You Wake Up.

كما حصلت عام 2014 على عضوية Theater Hall of Fame، في تكريم يعكس امتداد تأثيرها إلى المسرح إلى جانب السينما والتلفزيون.

إلين بورستين في 2026.. التكريم يأتي وهي لا تزال تعمل

ربما تكمن المفارقة الأجمل في تكريم فينيسيا في أن بورستين لا تتلقى الأسد الذهبي وهي تنظر إلى مسيرتها من بعيد، بل وهي لا تزال تعمل.

في 2026، تشارك في Flesh Impact للمخرجة Maggie Gyllenhaal، وهو فيلم قصير عرض في المهرجان اليوم، تؤدي فيه دور نسخة متخيلة من مارلين مونرو.

كما تشارك في فيلم Place To Be للمخرج Kornél Mundruczó إلى جانب Taika Waititi، وهو من الأعمال التي يسلط مهرجان فينيسيا الضوء عليها ضمن أحدث مشاريعها.

الأسد الذهبي.. اعتراف بممثلة صنعت من التعقيد قوتها

الأسد الذهبي.. تتويج لمسيرة لا تعرف التراجع - مصدر الصورة: Getty
الأسد الذهبي.. تتويج لمسيرة لا تعرف التراجع – مصدر الصورة: Getty

عندما أعلن مهرجان فينيسيا اختيار إلين بورستين، وصفها المدير الفني Alberto Barbera بأنها ممثلة ذات «كثافة وصدق نادرين»، مشيرًا إلى قدرتها على منح الشخصيات النسائية عمقًا وتعقيدًا، وإلى حضورها في السينما الأميركية لأكثر من خمسين عامًا. كما ربط بين أعمالها وبين التحولات التي شهدتها صورة المرأة في السينما.

واليوم، بعد أن أصبحت الجائزة بين يديها، يبدو الأسد الذهبي أقل ارتباطًا بفكرة «ختام» المسيرة، وأكثر تعبيرًا عن قيمة الاستمرارية.

فإلين بورستين لم تبنِ إرثها على دور واحد، ولا على جائزة واحدة، ولا على حقبة محددة. لقد تنقلت بين المسرح والسينما والتلفزيون، بين الشخصيات الهشة والقوية، وبين الأدوار الجماهيرية والتجارب الفنية الأكثر تحديًا.

من Alice Hyatt إلى Chris MacNeil، ومن Requiem for a Dream إلى Interstellar، ومن الأوسكار إلى Tony وEmmy، ظلت بورستين تبحث عن الشخصية التي تستحق أن تُروى.

ولهذا يبدو الأسد الذهبي في فينيسيا 2026 تتويجًا منطقيًا لمسيرة لم تجعل من مرور الزمن سببًا للتراجع، بل فرصة جديدة لاكتشاف ما يمكن للممثل أن يفعله بعد عقود طويلة من الوقوف أمام الكاميرا.

إقرأ أيضًا

مهرجان البندقية السينمائي 2026: دورة جديدة بأسماء كبيرة وأسئلة أكبر

كوثر بن هنية: من «صوت هند رجب» إلى لجنة تحكيم فينيسيا

ماي إل-توخي: المخرجة الوحيدة في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية 2026

السينما العربية في مهرجان البندقية 2026: حضور لافت خارج المسابقة الرسمية

ثلاث مخرجات يقررن الفائز ومخرجة واحدة تنافس.. مفارقة مهرجان البندقية 2026

مقالات مشابهة