مونيا عقل: من حكايات لبنان إلى الدراما العالمية مخرجة تبحث عن الإنسان وسط الفوضى

مصدر الصورة: حساب مونيا عقل على إنستغرام

من «كوستا برافا، لبنان» إلى مسلسل The Unheard مع كيت وينسلت، تواصل المخرجة اللبنانية مونيا عقل توسيع تجربتها بين السينما المستقلة والإنتاجات التلفزيونية العالمية. مسيرة بدأت من أسئلة المكان والانتماء، لتتجه نحو شخصيات تحاول النجاة من عالم لا يمنحها دائمًا فرصة الاختيار.

 

من الإنتاجات المحلية إلى العالمية

لم يكن وصول مونيا عقل إلى إخراج مسلسل The Unheard لصالح Netflix مجرد محطة جديدة في مسيرة مخرجة لبنانية تعمل خارج حدود السينما المحلية. فالخطوة، التي أُعلن عنها في أغسطس 2026، تضعها في قلب مشروع درامي تقوده الممثلة الحائزة جائزة الأوسكار كيت وينسلت، إلى جانب الممثلة البريطانية ماكسين بيك، وتجمعها بالكاتب جاك ثورن، المعروف بمسلسل Adolescence.

لكن قراءة هذه المحطة من زاوية الأسماء وحدها لا تكشف الكثير عن مسار عقل. فبين فيلمها الروائي الأول Costa Brava, Lebanon، الذي انطلق من أزمة بيئية واجتماعية لبنانية، وأعمالها التلفزيونية البريطانية، وصولًا إلى مشروعها الجديد، ثمة خيط يتكرر في تجربتها: شخصيات تجد نفسها أمام واقع يضيق عليها، وتحاول ابتكار طريقتها الخاصة في مواجهته.

إنها رحلة مخرجة لم تتخلَّ عن السينما التي انطلقت منها، حتى وهي توسّع نطاق عملها نحو إنتاجات دولية أكبر.

 

من أزمة لبنانية إلى سؤال إنساني يتجاوز الحدود

شكّل فيلم Costa Brava, Lebanon، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي عام 2021، نقطة مفصلية في مسيرة مونيا عقل. فمن خلال عائلة تختار الابتعاد عن تلوث بيروت واضطرابها لتعيش في منزل جبلي، بنت المخرجة حكاية عن محاولة الانسحاب من واقع مأزوم، قبل أن يصل ذلك الواقع إلى عتبة المنزل الجديد.

تؤدي نادين لبكي وصالح بكري دورَي الوالدين في عائلة تسعى إلى بناء حياة مختلفة بعيدًا عن المدينة. غير أن إنشاء مطمر للنفايات بالقرب من منزلهما يعيد الأزمة إلى قلب المساحة التي اعتقدا أنها توفر لهما الأمان.

تستند الحكاية إلى أزمة النفايات التي شهدها لبنان منذ عام 2015، لكنها لا تتعامل معها بوصفها قضية بيئية منفصلة عن الحياة اليومية. فالمطمر في الفيلم ليس مجرد مصدر للتلوث، بل اختبار لفكرة الانسحاب من المجتمع، ولقدرة العائلة على حماية خياراتها في مواجهة منظومة أكبر منها.

بهذه المعالجة، نقلت عقل أزمة محلية إلى مساحة سينمائية أوسع، من دون أن تفقدها تفاصيلها اللبنانية. وقد عُرض الفيلم في مهرجانات دولية، بينها مهرجان البندقية السينمائي و مهرجان تورونتو ومهرجان لندن السينمائي حيث فاز بجائزة الجمهور قبل أن يصل إلى جمهور أوسع عبر منصة Netflix.

ولم تكن أهمية الفيلم في موضوعه وحده، بل في الطريقة التي ربط بها بين الأزمة العامة والتوترات الخاصة داخل الأسرة. فحتى حين يبدو الخطر خارجيًا، تظل الشخصيات مطالبة بمواجهة خلافاتها ومخاوفها وتناقضاتها.

 

Submarine البذرة الأولى لعالمها السينمائي

قبل الفيلم الروائي الطويل، قدّمت مونيا عقل فيلمها القصير Submarine، الذي اختير ضمن برنامج Cinéfondation في مهرجان كان السينمائي  عام 2016.

تدور أحداث الفيلم حول هالة، التي ترفض مغادرة منزلها رغم أزمة النفايات التي تهدد محيطها. ومن هذه الشخصية، تبدأ ملامح اهتمام عقل بعلاقة الإنسان بالمكان، وبالطريقة التي يمكن أن يتحول بها المنزل، الذي يُفترض أن يكون مساحة للحماية، إلى نقطة مواجهة مع العالم الخارجي.

عاد هذا السؤال في Costa Brava, Lebanon بصورة أكثر اتساعًا، إذ انتقل من شخصية واحدة إلى عائلة كاملة، ومن منزل مهدد إلى محاولة بناء حياة بديلة في مواجهة أزمة وطنية.

وتكشف المقارنة بين العملين عن تطور في حجم الحكاية، لا عن قطيعة مع موضوعاتها الأساسية. فقد ظل المكان جزءًا من الصراع الدرامي، وظل السؤال عن إمكان إيجاد مساحة آمنة حاضرًا في قلب السرد.

ومن هنا، يمكن قراءة تجربة عقل بوصفها محاولة لفهم الأزمات من داخل الحياة اليومية، بدل الاكتفاء بتقديمها كخلفية سياسية أو اجتماعية.

 

الهندسة المعمارية والسينما: كيف تشكّل المكان في أفلام مونيا عقل؟

درست مونيا عقل الهندسة المعمارية في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، قبل أن تحصل على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة كولومبيا في نيويورك، وتتجه إلى العمل في الإخراج وكتابة السيناريو.

لم تكن الهندسة، في مسارها، الوجهة النهائية، لكنها تمنح قراءة أعمالها مدخلًا لافتًا. ففي أفلامها، لا تبدو المنازل والمدن والمساحات المحيطة بالشخصيات مجرد مواقع للأحداث؛ إنها عناصر تؤثر في قرارات الشخصيات، وتحدد حدود حريتها، وتكشف ما تحاول حمايته أو الهرب منه.

في Costa Brava, Lebanon، تختار العائلة الجبل بدل المدينة، على أمل أن تعثر على حياة أكثر استقلالًا. لكن وصول المطمر يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع الإنسان الانفصال فعلًا عن الأزمات التي يحاول الابتعاد عنها؟

إنها مفارقة تتجاوز خصوصية الفيلم اللبناني، لأن فكرة البحث عن مكان بديل لا تنفصل عن الرغبة في التحكم بالمصير. وحين يصبح المكان نفسه مهددًا، تضطر الشخصيات إلى إعادة النظر في اختياراتها وفي معنى الأمان الذي كانت تسعى إليه.

هذا الاهتمام بالعلاقة بين الفضاء والإنسان يمنح أعمال عقل تماسكًا يتجاوز اختلاف أنواعها، ويجعل الانتقال من السينما إلى التلفزيون امتدادًا لاهتماماتها السردية، لا مجرد انتقال مهني بين صناعتين.

 

من السينما المستقلة إلى BBC وNetflix

بعد تجربتها السينمائية الأولى، اتسع حضور مونيا عقل في الدراما التلفزيونية البريطانية. فقد أخرجت حلقات من The Responder، بطولة مارتن فريمان، وBoiling Point، بطولة ستيفن غراهام، كما شاركت في إخراج مسلسل House of Guinness الذي ابتكره ستيفن نايت لصالح Netflix.

يمثل هذا المسار انتقالًا إلى بيئات إنتاجية مختلفة، تتطلب العمل ضمن فرق كبيرة، والتعامل مع نصوص وشخصيات متعددة، والالتزام بالبنية الدرامية والإيقاع الخاصين بكل مشروع.

في Boiling Point، دخلت عقل عالمًا دراميًا يتسم بالتوتر والضغط، بينما يضع The Responder شخصياته في مواجهة ظروف مهنية وشخصية معقدة. أما House of Guinness، فينقلها إلى دراما تاريخية تدور حول عائلة غينيس وإرثها.

ولا تعني هذه التجارب أن عقل تخلت عن الحكايات المرتبطة بالواقع الاجتماعي، بل إنها وسّعت أدواتها عبر العمل ضمن أنواع سردية مختلفة، من الدراما المعاصرة إلى العمل التاريخي.

كما أن وجودها في هذه المشاريع لا يلغي استمرارها في تطوير أفلامها الخاصة؛ فالسيرة المهنية المنشورة على موقعها الرسمي تشير إلى أن فيلمها الروائي الطويل الثاني لا يزال قيد التطوير، إلى جانب عمل تلفزيوني تعمل عليه.

 

The Unheard محطة جديدة مع كيت وينسلت

في 26 أغسطس 2026، أعلنت Netflix عن مسلسل The Unheard، وهو عمل محدود من خمس حلقات تتولى مونيا عقل إخراجه، ويجمع كيت وينسلت وماكسين بيك في دور شقيقتين تجدان نفسيهما هاربتين بعد فشل خطة انتقام.

كتب المسلسل جاك ثورن، فيما يضم فريق المنتجين التنفيذيين أسماء من بينها وينسلت وستيفن غراهام، إلى جانب منتجين من شركتي Warp Films وPlan B وMatriarch Productions.

تدور الحكاية حول فعل انتقامي يخرج عن السيطرة، لتبدأ رحلة هرب تتشابك فيها الأسئلة حول دوافع الشخصيتين وحدود ما كانتا تنويان فعله. وتوفر هذه الفكرة مساحة لدراما نفسية تلاحق ما يحدث حين تتجاوز القرارات عواقبها المتوقعة.

أما بالنسبة إلى عقل، فيمثل المشروع فرصة للعمل ضمن إنتاج دولي يجمع بين ممثلتين لهما حضور بارز في الدراما البريطانية، ونجمة سينمائية حائزة جائزة الأوسكار، وكاتب ارتبط اسمه بأعمال تناولت التوترات الإنسانية والاجتماعية.

ومع ذلك، لا يزال المشروع في مرحلة التحضير؛ إذ لم يُعلن عن موعد رسمي لعرضه، ومن المقرر أن يبدأ التصوير خلال عام 2027. لذلك، تبقى أهميته في هذه المرحلة مرتبطة بالمشاركة الإخراجية نفسها وبالموقع الذي باتت تحتله عقل في الصناعة التلفزيونية الدولية.

 

بين الطموح العالمي والعودة إلى لبنان

على الرغم من توسع مشاريعها التلفزيونية، لا يبدو أن مونيا عقل تتعامل مع السينما اللبنانية باعتبارها مرحلة تجاوزتها. فمشروعها الروائي الطويل الثاني، الذي عُرف بعنوان Hold Me (If You Want)، كان حاضرًا ضمن مشاريع التطوير السينمائي التي عملت عليها، وشارك في برامج مهنية مخصصة لدعم الأفلام الجديدة.

يتناول المشروع امرأة تحاول الحفاظ على صورة من الحياة المثالية وسط واقع لبناني متداعٍ، فيما تكشف اضطرابات نومها عن جوانب لا تستطيع السيطرة عليها. وتعود هنا مفارقة مألوفة في عالم عقل: محاولة بناء نظام شخصي يحمي الإنسان من فوضى لا يمكنه التحكم فيها بالكامل.

وبذلك، لا يبدو أن انتقال المخرجة إلى أعمال دولية يعني ابتعادها عن البيئة التي شكلت رؤيتها. بل إن اتساع تجربتها قد يمنحها أدوات جديدة للعودة إلى قصصها الخاصة، مع الحفاظ على المسافة التي تحتاج إليها كل حكاية كي تتحول إلى عمل فني مستقل.

إن التحدي الذي تواجهه ليس الاختيار بين السينما اللبنانية والمنصات العالمية، بل إيجاد مساحة تتحرك فيها بينهما، من دون أن تفقد خصوصية صوتها.

 

مونيا عقل

 مسيرة لا تختصرها الأسماء الكبيرة

من مهرجان كان مع Submarine، إلى البندقية مع Costa Brava, Lebanon، ثم إلى الدراما البريطانية ومشاريع Netflix، تتضح ملامح مسيرة اتسع نطاقها تدريجيًا، من دون أن تنفصل تمامًا عن أسئلتها الأولى.

ففي أعمالها، تظهر الشخصيات وهي تحاول التفاوض مع واقع لا تملك السيطرة عليه بالكامل؛ مرة عبر البحث عن منزل بديل، ومرة عبر مواجهة ضغوط الحياة والعمل، ومرة أخرى من خلال الهرب من عواقب فعل لا يمكن التراجع عنه.

وقد يكون هذا الخيط الإنساني هو المدخل الأكثر دقة لفهم انتقالها بين عوالم إنتاجية مختلفة. فالمكان الذي بدأت منه عقل ليس مجرد نقطة جغرافية على خريطة السينما، بل تجربة شكّلت أسئلتها الأولى حول الأمان والانتماء والنجاة.

أما وصولها إلى The Unheard، فيمثل محطة جديدة في هذه الرحلة، لا خاتمتها. وبين مشروع ينتظر بدء التصوير وأفلام لا تزال قيد التطوير، تبقى المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، فيما يظل السؤال الأهم هو كيف ستواصل عقل تحويل هذه الخبرات المتنوعة إلى لغة سينمائية تحمل بصمتها الخاصة.

مقالات مشابهة