مصدر الصورة: حساب مهرجان البندقية السينمائي على إنستغرام
في فينيسيا، لا يكفي أن يصل النجوم إلى جزيرة ليدو كي يبدأ المهرجان. فقبل أن تلتقط عدسات المصورين أولى صور السجادة الحمراء، تكون السينما قد بدأت بالفعل في طرح أسئلتها. ومع انطلاق الدورة الـ83 من مهرجان البندقية السينمائي الدولي في 2 سبتمبر، بدا المشهد الافتتاحي وكأنه يتشكل من ثلاث طبقات متداخلة: أفلام تبحث في علاقتها بالعالم، وأفكار تناقش مستقبل الصناعة، وصورة بصرية تختصر في بريقها مكانة فينيسيا كواحد من أهم مواعيد السينما العالمية.
يستمر المهرجان على جزيرة ليدو حتى 12 سبتمبر، بإدارة المدير الفني ألبرتو باربيرا، فيما افتتحت الدورة بعرض Ink للمخرج داني بويل ضمن المسابقة الرسمية، بالتزامن مع تكريم جورج كلوني بالأسد الذهبي للإنجاز مدى الحياة. وفي الخلفية، فتحت ماغي جيلنهال، رئيسة لجنة تحكيم المسابقة، نقاشًا حول المرأة والسياسة ودور السينما في المجتمع.
هكذا، لم يكن اليوم الأول مجرد بداية لموسم جديد من العروض والجوائز، بل قدّم منذ ساعاته الأولى صورة مكثفة عن فينيسيا نفسها: مهرجان يعيش بين السينما والفكر والصورة.
أول وجوه فينيسيا: السينما التي تنظر إلى العالم
كان من اللافت أن يبدأ المهرجان بفيلم لا يكتفي بصناعة الدراما، بل يعود إلى لحظة مفصلية في تاريخ الإعلام وتأثيره في الجمهور.
فيلم Ink، من إخراج داني بويل وبطولة جاك أوكونيل وغاي بيرس وكلير فوي، عُرض عالميًا للمرة الأولى في افتتاح المسابقة الرسمية. وتدور أحداثه حول التحولات التي شهدتها صحيفة The Sun البريطانية في عام 1969، مع صعود روبرت مردوخ ولاري لامب وإعادة صياغة الصحيفة لجذب جمهور أوسع.
لكن اختيار الفيلم لافتتاح المهرجان يمنحه دلالة تتجاوز قصته.
فـInk يعود إلى زمن كانت فيه الصحافة تعيد اختراع نفسها لتصل إلى جمهور أكبر، بينما تعيش صناعة الإعلام اليوم تحولًا آخر تقوده المنصات الرقمية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي. وبذلك يصبح الفيلم، رغم عودته إلى عام 1969، شديد الصلة بأسئلة الحاضر.
يصف بويل الفيلم بأنه قصة عن مجموعة من الأشخاص الذين أرادوا ابتكار نوع جديد من الأخبار، وهو ما يضع مفهوم صناعة التأثير في قلب العمل.
وهنا تبدو المفارقة لافتة: يبدأ مهرجان البندقية 2026 بفيلم عن إعلام أراد تغيير الطريقة التي يتلقى بها الناس الأخبار، في الوقت الذي تعيد فيه التكنولوجيا اليوم تغيير الطريقة التي نستهلك بها الصورة والمعلومة معًا.
إنها سينما لا تكتفي بأن تعكس العالم؛ بل تسأل عن القوى التي تصنع الصورة التي نراها من خلالها.
داني بويل و«Ink»: من الصحيفة إلى عصر الخوارزميات
تزداد أهمية Ink عندما ننظر إليه من زاوية اللحظة الراهنة.
فالفيلم يتتبع قصة صحيفة أرادت الوصول إلى الجمهور الشعبي، وما رافق ذلك من توتر بين الطموح التجاري والمبادئ المهنية. وهذه الثنائية تجعل العمل يتجاوز إطار الفيلم التاريخي ليقترب من أسئلة لا تزال حاضرة في الإعلام المعاصر: كيف تُصنع العناوين؟ كيف يُستقطب الجمهور؟ وأين ينتهي البحث عن الانتشار وتبدأ مسؤولية الصحافة؟
وفي زمن أصبحت فيه الصورة قابلة لإعادة التصنيع والتعديل، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بما إذا كانت القصة حقيقية، بل أيضًا بما إذا كانت الصورة التي نراها تمثل الحقيقة فعلًا.
ومن هذه الزاوية، يكتسب حديث جورج كلوني خلال الافتتاح عن تأثير الذكاء الاصطناعي والـDeepfake على الثقة في الصورة والمعلومات أهمية إضافية؛ إذ التقت مخاوف نجم ينتمي إلى تاريخ السينما مع فيلم ينظر إلى تاريخ صناعة الأخبار.
وكأن فينيسيا تقول منذ البداية إن مستقبل السينما لن يتحدد داخل الاستوديوهات وحدها، بل أيضًا في علاقتها بالتكنولوجيا والحقيقة والجمهور.
الوجه الثاني: عندما يتحول المهرجان إلى مساحة للفكر
إذا كانت الأفلام هي قلب فينيسيا، فإن النقاشات التي تحيط بها تمنح المهرجان بعده الثقافي.
وهنا جاءت ماغي جيلنهال لتضع سؤالًا مختلفًا على طاولة الافتتاح. فالممثلة والمخرجة تترأس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وقد جعلت من حضور المرأة خلف الكاميرا إحدى القضايا الأساسية في حديثها عن الدورة.
وأشارت جيلنهال إلى وجود حواجز مؤسسية لا تزال تواجه المخرجات، خصوصًا فيما يتعلق بالتمويل والاعتراف بقيمة القصص التي يقدمنها، لافتة إلى أن المسابقة الرئيسية تضم في هذه الدورة فيلمين فقط من أصل 21 فيلمًا من إخراج أو إخراج مشترك لنساء.
لكن حديثها لم يتوقف عند مسألة التمثيل.
فجيلنهال دافعت أيضًا عن فكرة أن السينما بطبيعتها سياسية، لأن الأفلام التي تتناول حياة البشر وتجاربهم لا يمكن فصلها تمامًا عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي يعيشون فيها. وترى أن السينما تتيح للجمهور مساحة للتعاطف وفهم تجارب قد تكون بعيدة عنه.
وهنا يتحول فينيسيا من مهرجان يعرض الأفلام إلى مهرجان يسأل أيضًا: من يروي الحكاية؟ ومن يحصل على فرصة روايتها؟ وما الذي يجعل قصة ما جديرة بأن تصل إلى الشاشة؟
الوجه الثالث: السجادة الحمراء… حين تتحول فينيسيا إلى مسرح للأناقة
إذا كانت الأفلام والنقاشات قد منحت اليوم الأول من مهرجان فينيسيا 2026 ثقله السينمائي والفكري، فإن السجادة الحمراء تولّت الجانب الأكثر بريقًا من المشهد. ومنذ ساعات الافتتاح الأولى، امتلأت واجهة قصر السينما في ليدو بأسماء نجوم السينما والموضة، في ليلة جمعت بين الحضور الهوليوودي واللمسات الإيطالية الراقية، وجعلت من الأزياء جزءًا أساسيًا من صورة الدورة الجديدة.
وكان جورج كلوني الاسم الأبرز في ليلة الافتتاح، إذ وصل إلى المهرجان برفقة زوجته أمل كلوني لتسلّم الأسد الذهبي للإنجاز مدى الحياة، الذي مُنح له تقديرًا لمسيرته كممثل ومخرج ومنتج. وقدمت لورا ديرن كلمة التكريم، في عودة لافتة إلى علاقتهما السينمائية بعد مشاركتهما في فيلم Jay Kelly الذي عُرض في فينيسيا العام الماضي.
وعلى السجادة الحمراء، اختار جورج كلوني بدلة سهرة سوداء كلاسيكية من Giorgio Armani، بينما ظهرت أمل كلوني بإطلالة سوداء من Tom Ford by Haider Ackermann، لتقدّم واحدة من أكثر لحظات الافتتاح أناقة. وجاء ظهورهما معًا من أكثر مشاهد الأمسية تداولًا، خصوصًا أن فينيسيا تحتل مكانة شخصية خاصة لدى الثنائي، بعدما شهدت المدينة زواجهما عام 2014.
كلير فوي… الأحمر يفتتح موسم الأناقة

ومن فريق فيلم الافتتاح Ink، جاءت كلير فوي بإحدى أكثر الإطلالات وضوحًا في اليوم الأول. اختارت الممثلة فستانًا أحمر مخصصًا من Bottega Veneta، نسّقته مع قفازات جلدية طويلة باللون نفسه، لتظهر بإطلالة أحادية اللون ذات حضور درامي قوي. وأكملت مظهرها بمجوهرات من Swarovski.
ولم يكن اختيار الأحمر تفصيلًا هامشيًا؛ فالإطلالة جاءت متناسقة مع طبيعة ليلة الافتتاح ومع حضور فوي في فيلم Ink، لتقدم واحدة من الصور التي ستبقى مرتبطة بالليلة الأولى من الدورة.
أما زميلاها في الفيلم، جاك أوكونيل وغاي بيرس، فانضما إلى السجادة الحمراء إلى جانب المخرج داني بويل، في أول ظهور رسمي للفريق أمام جمهور فينيسيا قبل العرض العالمي الأول للفيلم. وقد شكل حضور أبطال Ink أحد المحاور الرئيسية للسجادة الحمراء في افتتاح الدورة.
ماغي جيلنهال… أناقة رئيسة لجنة التحكيم

ومن بين الشخصيات الأكثر أهمية في افتتاح الدورة، حضرت ماغي جيلنهال، رئيسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، بإطلالة من Celine. حضورها حمل بعدًا مزدوجًا؛ فهي لم تكن مجرد نجمة على السجادة الحمراء، بل الشخصية التي تقود لجنة ستقرر في نهاية المهرجان مصير أبرز جوائز المسابقة.
وبذلك، جاءت إطلالتها ضمن صورة مختلفة عن بقية النجمات: صورة تجمع بين النجومية والموقع السينمائي والسلطة التحكيمية، وهو ما يجعل ظهورها جزءًا من هوية المهرجان وليس مجرد لحظة أزياء.
نينا دوبريف ونيكولاس غاليتزين… حضور Armani Privé

كان Giorgio Armani حاضرًا بقوة في الليلة الأولى، مع عدد من الأسماء التي اختارت تصاميم الدار وArmani Privé للسجادة الحمراء.
ومن بين أبرزها نينا دوبريف، التي ظهرت بإطلالة من Armani Privé، إلى جانب نيكولاس غاليتزين وجوناثان بيلي، في مشاهد عززت الحضور الإيطالي الفاخر للدار على السجادة الحمراء. كما ضمت قائمة الحضور أسماء أخرى اختارت تصاميم Armani، في تأكيد على المكانة التي تحتلها الدار في المناسبات السينمائية الكبرى.
بيانكا بالتي… حضور إيطالي على السجادة الحمراء

وحضرت عارضة الأزياء الإيطالية Bianca Balti ضمن أسماء اليوم الأول، إلى جانب Alessandro Cutrera، في ظهور أضاف بعدًا إيطاليًا واضحًا إلى السجادة الحمراء. وتظهر صور الافتتاح الرسمية حضور بالتي ضمن مراسم افتتاح وعرض Ink.
من كيت مارا إلى تشيس سوي وندرز… السجادة تتسع

ولم يقتصر المشهد على أبطال فيلم الافتتاح والأسماء المرتبطة مباشرة بلجنة التحكيم. فقد شهد اليوم الأول أيضًا حضور Kate Mara، وChase Sui Wonders، وDamian Hardung، إلى جانب أسماء أخرى حضرت مراسم الافتتاح والعرض الأول. وتكشف قائمة الصور الرسمية للسجادة الحمراء اتساع دائرة الحضور التي رافقت انطلاق الدورة الـ83.

كما برز كارلوس ساينز ضمن ضيوف السجادة الحمراء، إلى جانب أسماء من عالم السينما والموضة والثقافة، في مشهد يؤكد أن فينيسيا لم يعد حدثًا سينمائيًا بمعناه الضيق، بل موعدًا عالميًا تتقاطع فيه صناعات متعددة.
السجادة الحمراء كمنصة للموضة العالمية
في افتتاح فينيسيا 2026، لم تكن الأزياء مجرد خلفية للنجوم، بل حضرت بأسماء كبرى من عالم الموضة: Bottega Veneta، Giorgio Armani، Armani Privé، Celine وغيرها. ومع كل ظهور، كانت السجادة الحمراء تنتج صورة جديدة للمهرجان، سرعان ما تنتقل من ليدو إلى الصحافة العالمية ومنصات التواصل.
وهذا ما يمنح فينيسيا خصوصيته بالنسبة إلى عالم الموضة. فالمهرجان لا يستضيف النجوم فقط، بل يمنحهم خلفية بصرية لا تتكرر بسهولة: قصر السينما، القوارب الخشبية، مياه البندقية، العمارة الإيطالية، والضوء الطبيعي الذي يحيط بالجزيرة.
ومن هنا، يصبح اختيار الإطلالة جزءًا من بناء الصورة بقدر ما يكون الفيلم نفسه جزءًا من بناء هوية النجم.
ثلاثة وجوه… وهوية واحدة
إذا بدا اليوم الأول وكأنه مجموعة من الأحداث المتفرقة، فإن جمعها في صورة واحدة يكشف ترابطها.
السينما حضرت من خلال Ink وداني بويل، في فيلم يعود إلى تاريخ الإعلام ليطرح أسئلة شديدة المعاصرة حول التأثير والجمهور والحقيقة.
الفكر حضر من خلال ماغي جيلنهال، التي أعادت النقاش إلى داخل الصناعة نفسها: من يملك فرصة صناعة الأفلام؟ وكيف تتشكل المعايير التي تحدد القصص التي تصل إلى الشاشة؟
أما الصورة فكانت حاضرة في جورج كلوني والنجوم والسجادة الحمراء، حيث تتحول السينما إلى مشهد عالمي تتقاطع فيه الثقافة مع الموضة والجمال والنجومية.
هذه العوالم الثلاثة ليست منفصلة في فينيسيا. بل إن قوة المهرجان تكمن في قدرته على جمعها في مساحة واحدة.
من ليدو يبدأ الحوار
مع انطلاق الأيام التالية من المهرجان، ستتسع الصورة لتشمل أفلامًا جديدة ومخرجين وممثلين ونقاشات أخرى، وستبدأ ملامح المنافسة على الجوائز في الظهور تدريجيًا.
لكن اليوم الأول قدم بالفعل مفتاحًا لقراءة الدورة: مهرجان البندقية 2026 لا يريد أن يختار بين السينما والفكر والصورة.
إنه يريد الثلاثة معًا.
إقرأ أيضًا:
مهرجانات السينما العالمية 2026: سبتمبر يرسم ملامح موسم الجوائز والسينما العالمية
جزيرة الليدو في البندقية: الوجه الهادئ خلف صخب السجادة الحمراء
مهرجان البندقيةالسينمائي 2026: دورة جديدة بأسماء كبيرة وأسئلة أكبر
كوثر بن هنية: من «صوت هند رجب» إلى لجنة تحكيم فينيسيا
ماي إل-توخي: المخرجة الوحيدة في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية 2026
السينما العربية في مهرجان البندقية 2026: حضور لافت خارج المسابقة الرسمية
ثلاث مخرجات يقررن الفائز ومخرجة واحدة تنافس.. مفارقة مهرجان البندقية 2026