مصدر الصورة: حساب منى زكي على إنستغرام
لم تكن جائزة الإنجاز الإبداعي التي تسلّمتها منى زكي في افتتاح الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، مساء 15 أكتوبر 2026، مجرد احتفاء بمسيرة امتدت نحو ثلاثة عقود، بل مناسبة لاستعادة المحطات التي صنعت حضورها في السينما المصرية، من الأدوار الجماهيرية إلى الشخصيات النسائية الأكثر تعقيدًا. وعلى المسرح، لم تتحدث النجمة المصرية عن النجاح وحده، بل كشفت عن جانب شخصي من رحلتها، معترفة بأن الخوف لازمها، قبل أن توجّه إلى الشباب رسالة تدعوهم فيها إلى عدم السماح له بالتحكم في خياراتهم.
وقد جاء هذا التكريم ليضيء على المسيرة الفنية لمنى زكي التي لم تعتمد على صورة واحدة أو نوع محدد من الأدوار. فمنذ بداياتها، تنقلت زكي بين الكوميديا والدراما والأعمال التي تطرح أسئلة اجتماعية وإنسانية، محافظة على حضورها بين الأجيال المختلفة من الجمهور. وبين محطاتها الأولى وأعمالها الأحدث، ظل التنوع سمة أساسية في تجربتها، فيما أتاح لها كل دور اختبار مساحة جديدة من قدراتها التمثيلية.
من المسرح إلى النجومية السينمائية
بدأت علاقة منى زكي بالتمثيل في سن الثالثة عشرة، عندما شاركت عام 1989 في تجارب الأداء لمسرحية «بالعربي الفصيح» من إخراج محمد صبحي. انتقلت بعدها إلى التلفزيون، قبل أن تتوسع مشاركاتها السينمائية خلال التسعينيات، بالتزامن مع ظهور جيل جديد من الممثلين الذين أسهموا في تغيير ملامح السينما المصرية.
شكّل عام 1998 محطة مهمة في مسيرتها، مع مشاركتها في فيلم «اضحك الصورة تطلع حلوة» أمام أحمد زكي وسناء جميل، ثم «صعيدي في الجامعة الأمريكية» مع محمد هنيدي. وقد أتاح لها العملان الوصول إلى جمهور واسع، وأظهرا قدرتها على التنقل بين المواقف الكوميدية والمشاهد العاطفية، من دون أن تحصر حضورها في قالب واحد.
وفي عام 2001، خاضت تجربة مختلفة في فيلم «أيام السادات» للمخرج محمد خان، حيث جسّدت شخصية جيهان السادات. مثّل الدور انتقالاً نحو معالجة شخصية معروفة ضمن سياق تاريخي، وفتح أمامها مجالاً مختلفًا عن الأدوار التي ارتبطت ببداياتها الجماهيرية.
اختيارات وسّعت حدود التجربة
مع بداية الألفية الجديدة، اتجهت منى زكي إلى أعمال أتاحت لها تقديم شخصيات أكثر تنوعًا. ففي «سهر الليالي» عام 2003، شاركت في معالجة درامية للعلاقات الزوجية والعاطفية، قبل أن تظهر في «دم الغزال» عام 2005، ثم في «احكي يا شهرزاد» عام 2009، من إخراج يسري نصر الله.
اكتسبت مشاركتها في «احكي يا شهرزاد» أهمية خاصة في سياق مسيرتها، إذ تناول الفيلم حكايات النساء وعلاقتهن بالمجتمع، وطرح أسئلة عن التعبير والحرية والقيود الاجتماعية. وأتاح العمل لمنى زكي الابتعاد عن الصورة التقليدية للبطلة، وتقديم شخصية تنتمي إلى معالجة أكثر جرأة وتعقيدًا.
لاحقًا، واصلت زكي تنويع اختياراتها في «أسوار القمر» عام 2015، ثم في «رحلة 404» عام 2024، وصولاً إلى «الست» عام 2025، من إخراج مروان حامد. وتكشف هذه المحطات عن استمرارها في خوض تجارب مختلفة، بدلاً من الاكتفاء بتكرار الأدوار التي حققت لها النجاح في مراحل سابقة.
كما شكّل فيلم «رحلة 404» محطة هامة في مسيرة منى زكي، بعدما اختارته نقابة المهن السينمائية المصرية في سبتمبر 2024 لتمثيل مصر في فئة أفضل فيلم روائي دولي في الدورة الـ97 من جوائز الأوسكار لعام 2025. ورغم أن الفيلم لم يصل إلى القائمة القصيرة النهائية للأفلام المتنافسة، فإن اختياره مثّل حضورًا لافتًا للسينما المصرية في السباق الدولي.
ولا يقوم هذا التنوع على اختلاف نوع العمل فحسب، بل على طبيعة الشخصيات التي تؤديها أيضًا. فالمرأة في أفلام منى زكي ليست نموذجًا ثابتًا؛ بل تتغير دوافعها ومخاوفها وقراراتها بحسب الحكاية، وهو ما منح مسيرتها مساحة من التعدد، وأبقى اختياراتها موضوعًا للنقاش النقدي والجماهيري.
جائزة الإنجاز الإبداعي ورسالة منى زكي إلى الشباب
في حفل افتتاح مهرجان الجونة السينمائي 2026، قدّم المخرج محمد شاكر خضير جائزة الإنجاز الإبداعي إلى منى زكي، تقديراً لإسهاماتها في السينما والتلفزيون والمسرح. وأشاد بقدرتها على تجسيد شخصيات نسائية تجمع بين البساطة والعمق، وبالحضور الإنساني الذي تمنحه لأدوارها.
بدت منى زكي متأثرة خلال تسلّم الجائزة، وتحدثت عن الأشخاص الذين ساندوها طوال رحلتها، من المخرجين والمؤلفين إلى زملائها والعاملين خلف الكاميرا. كما اعترفت بأن الخوف رافقها في حياتها، في مصارحة منحت كلمتها طابعًا شخصيًا بعيدًا عن الخطابات الاحتفالية التقليدية.
وكانت رسالتها إلى الشباب أبرز ما بقي من تلك اللحظة: «ما تخلوش الخوف يتحكم فيكم». لم تقدّم النجاح بوصفه طريقًا خاليًا من التردد، بل شجّعت على مواصلة التقدم رغم المخاوف. وهنا التقت دلالة الجائزة مع تجربتها؛ فالتجدد الفني يتطلب الاستعداد لمواجهة المجهول، وقبول تحديات الأدوار الجديدة، وعدم الاكتفاء بما أصبح مألوفًا.
بهذا المعنى، لم يكن التكريم استعادة لأعمال منى زكي السابقة فقط، بل اعترافًا بمسيرة لا تزال مستمرة. فقد أتاحت المناسبة النظر إلى حصيلة سنوات من العمل، من دون التعامل معها باعتبارها خاتمة لتجربة فنية ما زالت قابلة للتحول والتجدد.
إطلالة منى زكي في الجونة: فستان من كارولينا هيريرا
على السجادة الحمراء، اختارت منى زكي فستانًا أسود من دار كارولينا هيريرا، بتوقيع مديرها الإبداعي ويس غوردون. جاء التصميم بلا أكمام، مع تنورة واسعة وتطريزات هندسية وتفاصيل فضية وكريستالية لامعة، جامعًا بين الخطوط الكلاسيكية والحضور اللافت.
نسّقت منى زكي الفستان مع مجوهرات ألماسية وتسريحة شعر قصيرة بأسلوب البوب ومكياج بدرجات ترابية. وجاءت الإطلالة متوازنة بين فخامة التصميم وهدوء التفاصيل الجمالية.
منى زكي: مسيرة لا تتوقف عند التكريم
تمنح تجربة منى زكي صورة عن مسيرة فنية تشكّلت عبر مراحل متباينة، من الأعمال الجماهيرية التي رسّخت حضورها إلى الأدوار التي وسّعت حدود تجربتها. ولم يكن استمرارها مرتبطًا بنجاح فيلم بعينه، بقدر ما ارتبط بقدرتها على الانتقال بين شخصيات مختلفة، والاستجابة لتحولات السينما المصرية وموضوعاتها.
لذلك، اكتسب تكريمها في مهرجان الجونة السينمائي دلالته من الجمع بين ما أنجزته وما لا يزال أمامها. فقد احتفى المهرجان برصيدها الفني، بينما أعادت كلمتها تسليط الضوء على الجانب الإنساني من الرحلة: التردد، والامتنان، والحاجة إلى مواصلة المحاولة.
وفي نهاية الحفل، بقيت رسالتها عن الخوف أكثر من عبارة مؤثرة؛ فقد لخصت معنى التجدد الذي طبع جانبًا هامًا من مسيرتها. فالنجاح، كما توحي تجربتها، لا يعني التوقف عن المجازفة، بل الاستمرار في البحث عن أدوار وحكايات جديدة، حتى عندما لا يكون الطريق واضحاً بالكامل.