مصدر الصورة: حساب خالد أرغنتش على إنستغرام
بعد نحو 15 عامًا على اجتماعهما في المسلسل التركي الشهير «حريم السلطان»، عاد النجمان مريم أوزرلي وخالد أرغنتش إلى الشاشة معًا، لكن هذه المرة من خلال حكاية سينمائية تبتعد عن قصور الدولة العثمانية وصراعات السلطة، لتقترب من هشاشة الإنسان أمام الفقد، ومن قدرته على استعادة الأمل والحب. وقد احتضن مهرجان الجونة السينمائي العرض العالمي الأول لفيلمهما الجديد “الربيع في إمروز” Spring in Imroz، مساء الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، بحضور بطليه، ضمن فعاليات دورته التاسعة.
لم يكن اللقاء الجديد مجرد استعادة لثنائية فنية ارتبط بها الجمهور العربي لسنوات، بل مناسبة لتقديم الممثلين في سياق درامي مختلف، يجمع بين العزلة والذاكرة والتعافي، ويطرح سؤالاً إنسانيًا بسيطًا في صياغته، لكنه معقد في تجاربه: هل يستطيع الحب أن يمنح الإنسان فرصة جديدة، حتى بعد أن يترك الماضي ندوبه العميقة؟
الربيع في إمروز: حين يصبح اللقاء بداية ثانية
تدور أحداث الفيلم التركي İmroz’da Bahar «الربيع في إمروز» في جزيرة غوكتشه أدا التركية، المعروفة تاريخيًا باسم إمروز، وهي جزيرة في بحر إيجة تشكّل طبيعتها الهادئة خلفية للحكاية الإنسانية التي يرويها العمل. هناك، تتقاطع حياة شخصين يحمل كل منهما تجربة مختلفة من الألم، لتبدأ بينهما علاقة تتطوّر بعيداً عن صخب الحياة اليومية، وتفتح أمامهما احتمال النظر إلى المستقبل من زاوية جديدة.
يؤدي خالد أرغنتش شخصية عارف، وهو كاتب يبلغ من العمر 52 عامًا، يمر بفترة طويلة من العجز الإبداعي، بعدما فقد قدرته على الكتابة. وتحت ضغط محررته، يقرر مغادرة محيطه المعتاد والتوجه إلى الجزيرة لمدة شهر، للمشاركة في برنامج إقامة مخصص للكتّاب تنظمه البلدية، على أمل أن تساعده المسافة عن حياته اليومية على استعادة صوته الإبداعي.
لكن الرحلة التي تبدو في ظاهرها محاولة لاستعادة الكتابة تتحول إلى تجربة تتجاوز حدود العمل. ففي الجزيرة، يلتقي عارف بسونيا، التي تجسدها مريم أوزرلي، وهي امرأة تبلغ 41 عامًا، تعيش في عزلة بعد فقدان زوجها وابنها قبل ثلاث سنوات.
تبدو الشخصيتان، رغم اختلاف ظروفهما، وكأنهما تواجهان شكلاً مختلفًا من الانقطاع عن الحياة. عارف عاجز عن تحويل أفكاره إلى كلمات، فيما تحمل سونيا حزنًا لا تستطيع الكلمات وحدها تخفيف ثقله. وبين صمت الكاتب وألم المرأة، تنشأ مساحة إنسانية مشتركة، يصبح فيها الحضور الهادئ للآخر خطوة أولى نحو التعافي.
لا يقدم الفيلم الحب بوصفه حلاً سريعًا للخسارة، ولا باعتباره وسيلة لمحو الماضي، بل كاحتمال يساعد الإنسان على التعايش مع ما حدث، وإعادة اكتشاف قدرته على التواصل مع العالم. ومن هنا، تستمد الحكاية دلالات عنوانها: فالربيع ليس مجرد فصل من فصول السنة، وإنما استعارة عن إمكان عودة الحياة إلى أماكن ظن أصحابها أنها فقدت قدرتها على الإزهار.
مريم أوزرلي: الحب والأمل وإمكانية البدء من جديد
في شخصية سونيا، تبتعد مريم أوزرلي عن الصورة التي رسختها في أذهان جمهورها العربي من خلال دور السلطانة هيام في “حريم السلطان”، لتقدم امرأة تحاول التعامل مع خسارة غيّرت حياتها بصورة جذرية.
وتكمن حساسية الشخصية في أنها لا تبدأ رحلتها من نقطة الاستعداد للحب، بل من مساحة من العزلة والحزن، حيث يبدو الانفتاح على تجربة جديدة أمرًا صعبًا. لذلك، لا تأتي العلاقة التي تنشأ بينها وبين عارف بوصفها تحولاً مفاجئًا، بل باعتبارها إمكانية تستحق الاكتشاف، حين يجد الإنسان في شخص آخر مساحة آمنة تسمح له بمواجهة ألمه.
وخلال حديثها في مهرجان الجونة قبل العرض، وصفت أوزرلي الفيلم بأنه رحلة إنسانية تتناول التعافي واستعادة الأمل، وقدرة الحب على فتح آفاق جديدة للحياة. كما عبّرت عن سعادتها بتقديم العمل للجمهور في الجونة، ودعت إلى التمسك بالأمل والإيمان بإمكانية حدوث ما يغيّر مسار الحياة نحو الأفضل.
وتنسجم هذه الرؤية مع جوهر الحكاية، التي لا تتعامل مع الحب باعتباره امتدادًا رومانسيًا تقليديًا، بل باعتباره تجربة قد تعيد إلى الإنسان إحساسه بإمكانية التغيير، حتى بعد المرور بخسارات يصعب تجاوزها.
خالد أرغنتش في دور كاتب يبحث عن صوته
أما خالد أرغنتش، فيقدم شخصية عارف، الكاتب الذي يقوده انسداد إبداعي إلى جزيرة إمروز بحثًا عن مخرج من أزمته. غير أن عجزه عن الكتابة يتجاوز كونه مشكلة مهنية؛ فهو مدخل إلى حكاية عن الإنسان حين يفقد قدرته على التعبير، أو حين تصبح المسافة بين ما يشعر به وما يستطيع قوله أكبر من أن يتجاوزها بسهولة.
وتمنح هذه الشخصية الفيلم بعدًا إضافيًا، إذ يلتقي عارف بسونيا في لحظة لا يمتلك فيها أي منهما إجابات واضحة عن مستقبله. وبينما يحاول استعادة علاقته بالكلمات، تحاول هي إيجاد طريقة لمواصلة حياتها بعد الفقد. ومع تطور علاقتهما، يصبح الإصغاء والحضور المتبادل جزءًا من رحلة التعافي التي يخوضها الاثنان.
وتحمل مشاركة أرغنتش في العمل أهمية خاصة لدى الجمهور العربي، الذي ارتبط اسمه لديه بشخصية السلطان سليمان. إلا أن “الربيع في إمروز” يضعه في مساحة درامية أكثر قرباً من التجارب اليومية والهشاشة الإنسانية، بعيدًا عن المكانة التاريخية والسلطة والصراعات التي طبعت أشهر أدواره التلفزيونية.
وخلال وجوده في الجونة، أعرب الممثل التركي عن رغبته في العودة إلى الدراما العربية وخوض تجارب جديدة في المنطقة، وهو ما يفتح المجال أمام احتمال تعاونات مستقبلية، من دون أن يعني ذلك الإعلان عن مشروع محدد.
أوزجان ألبير يكتب ويخرج الحكاية
يجمع فيلم “الربيع في إمروز” بين الكتابة والإخراج تحت قيادة المخرج وكاتب السيناريو التركي أوزجان ألبير، المعروف بأعماله التي تتناول التجارب الإنسانية في سياقات اجتماعية ومكانية خاصة.
ويمنح اختيار جزيرة غوكتشه أدا الحكاية إطارًا يتجاوز دور المكان بوصفه خلفية للأحداث. فالعزلة الجغرافية، والابتعاد عن إيقاع الحياة المعتاد، ينسجمان مع الحالة التي يعيشها بطلا الفيلم، ويتيحان للحكاية أن تتطور في مساحة أكثر هدوءًا، حيث تصبح التفاصيل الصغيرة واللقاءات العابرة جزءًا من التحول الداخلي للشخصيتين.
وتبلغ مدة الفيلم 90 دقيقة، وهو إنتاج تركي باللغة التركية، أُدرج ضمن الاختيار الرسمي خارج المسابقة في مهرجان الجونة السينمائي 2026. وتضم قائمة المشاركين إلى جانب مريم أوزرلي وخالد أرغنتش كلاً من ألبيرين ييغيت، وأريف إرين إيفرين، وغوك دنيز.
العرض العالمي الأول في مهرجان الجونة السينمائي 2026
استضاف مهرجان الجونة السينمائي العرض العالمي الأول لفيلم “الربيع في إمروز” يوم الثلاثاء 20 أكتوبر، بحضور مريم أوزرلي وخالد أرغنتش، في لقاء أعاد الثنائي إلى الواجهة أمام الجمهور بعد سنوات من ارتباط اسميهما بالنجاح الجماهيري لمسلسل “حريم السلطان”.
وحظي وصول النجمين باهتمام الحضور ووسائل الإعلام، إذ حمل ظهورهما المشترك دلالة تتجاوز الترويج لفيلم جديد. فقد شكّل اللقاء مناسبة لاستعادة واحدة من أشهر الثنائيات التي عرفها الجمهور العربي في الدراما التركية، مع تقديمهما هذه المرة في عمل سينمائي مختلف في موضوعه وأجوائه.
ويكتسب العرض العالمي الأول أهمية إضافية لكونه يقدّم الفيلم إلى الجمهور للمرة الأولى ضمن تظاهرة سينمائية دولية، قبل أن تتسع دائرة مشاهدته لاحقًا. وهو ما يضع العمل أمام جمهور لا يقتصر اهتمامه على اجتماع النجمين، بل يمتد إلى اكتشاف الحكاية الجديدة التي اختارا العودة من خلالها إلى الشاشة معًا.
من “حريم السلطان” إلى تجربة سينمائية مختلفة

بدأ عرض مسلسل “حريم السلطان” عام 2011، وحقق انتشارًا واسعًا في تركيا والعالم العربي، حيث جسّد خالد أرغنتش شخصية السلطان سليمان القانوني، فيما أدت مريم أوزرلي دور السلطانة هيام، المعروفة أيضًا باسم خُرّم.
وقد ارتبط نجاح الثنائي في ذاكرة المشاهدين بالعلاقة الدرامية التي جمعت الشخصيتين وسط صراعات القصر العثماني وتحولات السلطة والنفوذ. ورغم مغادرة أوزرلي المسلسل قبل نهايته، ظل أداؤها من أبرز العناصر التي يتذكرها الجمهور عند الحديث عن العمل.
وبعد نحو 15 عاماً على انطلاق المسلسل، يعيد “الربيع في إمروز” جمع الممثلين في تجربة سينمائية جديدة، لا تستند إلى استعادة الشخصيات القديمة أو مواصلة قصتها، وإنما إلى تقديم علاقة مختلفة تماماً في ظروفها ودلالاتها.
ويعكس حضور الفيلم التركي في الاختيار الرسمي خارج المسابقة جانبًا من هذا التنوع، من خلال عمل يقدّم حكاية محلية في بيئتها وشخصياتها، لكنه ينطلق من مشاعر وتجارب إنسانية قابلة للتواصل مع جمهور من ثقافات متعددة.