Featured Image: Pinterest
بعض الرحلات لا تُقاس بعدد الكيلومترات التي تقطعها، بل بالقمم التي تترك عليها أثرًا لا يمحوه الزمن. هكذا كانت رحلة المتسلقة العُمانية نظيرة الحارثي، التي لم ترَ في الجبال مجرد تحدٍ رياضي، بل فضاءً لاختبار حدود الإرادة الإنسانية، وحملت علم سلطنة عُمان إلى أعلى القمم في العالم، لتصبح رمزًا للشجاعة والطموح والإصرار. وبينما كانت تواصل سعيها لتحقيق حلمها الأكبر بتسلق القمم الأربع عشرة التي يتجاوز ارتفاعها ثمانية آلاف متر، انتهت رحلتها إثر انهيار ثلجي على جبل برود بيك في باكستان، لكنها تركت وراءها إرثًا من الإنجازات التي رسخت اسمها في تاريخ الرياضة العُمانية والعربية، وألهمت جيلاً كاملًا بأن الطريق إلى القمة يبدأ بالإيمان بالحلم قبل أي خطوة على الصخور والجليد.

لبداية المتأخرة صنعت قصة ملهمة
ولدت نظيرة أحمد عبدالله الحارثي في 21 نوفمبر 1977، وحصلت على بكالوريوس في التربية ثم ماجستير في الدراسات الجغرافية من جامعة السلطان قابوس، وعملت في وزارة التربية والتعليم. ولم تبدأ ممارسة تسلق الجبال إلا عام 2015، عندما شاركت في برنامج بيئي على جبل كليمنجارو في تنزانيا، لتتحول تلك التجربة إلى نقطة انطلاق لمسيرة استثنائية.

من كليمنجارو إلى سقف العالم
بعد سنوات قليلة فقط من التدريب، حققت في 23 مايو 2019 إنجازًا تاريخيًا عندما أصبحت أول امرأة عُمانية تصل إلى قمة جبل إيفرست، وثاني شخص يحمل الجنسية العمانية يحقق هذا الإنجاز، بعد نحو عامين من الاستعداد البدني والنفسي المكثف.

حلم القمم الـ14… مشروع يتجاوز حدود الإنجاز
لم يكن طموح نظيرة الحارثي محصورًا في تسجيل اسمها كأول عُمانية تصل إلى قمة إيفرست، بل كانت تنظر إلى ذلك الإنجاز باعتباره بداية رحلة أكبر نحو تحدٍ يُعد من أصعب الاختبارات في عالم تسلق الجبال؛ وهو مشروع اعتلاء القمم الـ14 التي يتجاوز ارتفاعها 8000 متر عن سطح البحر، والمعروفة باسم “قمم الثمانية آلاف”، وهي أعلى الجبال وأكثرها قسوة، حيث تتطلب مزيجًا استثنائيًا من القدرة البدنية والخبرة والقدرة على مواجهة الظروف المناخية القاسية.
وخلال مسيرتها نحو تحقيق هذا الحلم، نجحت الحارثي في الاقتراب خطوة بعد أخرى من هدفها، بعدما أصبحت أول امرأة عُمانية تصل إلى أربع قمم ضمن هذه القائمة النخبوية؛ إذ اعتلت قمة ماناسلو، ثامن أعلى جبل في العالم، ثم حققت إنجازًا تاريخيًا بصعود K2 عام 2022، لتكون أول عُمانية تقف على ثاني أعلى قمة في العالم بارتفاع 8611 مترًا، قبل أن تضيف إلى سجلها قمة نانغا باربات عام 2024، المعروفة باسم “الجبل القاتل”، لتصبح أول شخص من سلطنة عُمان يحقق هذا الإنجاز.
وبذلك، لم تعد رحلة نظيرة الحارثي مجرد مغامرة شخصية، بل تحولت إلى مشروع تاريخي حملت خلاله اسم سلطنة عُمان إلى واحدة من أكثر البيئات تحديًا على وجه الأرض، وأثبتت أن المرأة العربية قادرة على الحضور في رياضة ظلت لعقود حكرًا على نخبة محدودة من المتسلقين حول العالم.
وكانت محطتها التالية قمة برود بيك في باكستان، التي يبلغ ارتفاعها 8047 مترًا، ضمن مواصلة مسارها نحو استكمال حلم القمم الـ14، إلا أن الرحلة توقفت إثر حادث انهيار ثلجي خلال محاولة الصعود، لتغادر العالم وهي لا تزال في طريقها نحو القمة التالية، بعد أن تركت إرثًا يتجاوز عدد الجبال التي تسلقتها إلى قصة إنسانية عنوانها الطموح والمثابرة

رسالة مؤثرة قبل الرحيل
كشفت تقارير صحافية أن الحارثي كانت قد نشرت رسالة قبل رحلتها الأخيرة، تحدثت فيها عن الشغف بالمغامرة ومواصلة السعي نحو القمم، وهو ما أضفى بعدًا إنسانيًا مؤثرًا على رحيلها، وجعل قصتها تتداول على نطاق واسع في وسائل الإعلام العربية