شهدت الدورة الـ79 من مهرجان كان السينمائي 2026 حضورًا نسائيًا لافتًا، عكس التحولات المتواصلة في صناعة السينما العالمية، حيث لم تعد المرأة مجرد نجمة على السجادة الحمراء، بل أصبحت حاضرة بقوة في الإخراج والإنتاج وصناعة القرار السينمائي. غير أنّ هذا الحضور ترافق أيضًا مع نقاشات حادة وانتقادات نسوية طالت اختيارات المهرجان وتمثيل النساء ضمن مسابقاته الرسمية.
ملصق المهرجان… احتفاء نسوي أم “تجميل رمزي”؟
View this post on Instagram
رغم الصورة الداعمة للمرأة التي سعى مهرجان كان إلى إبرازها هذا العام، من خلال الاحتفاء بالمخرجات وإطلاق مبادرات نسائية واختيار ملصق يحمل رمزية نسوية قوية، فإن الدورة الحالية لم تخلُ من انتقادات اعتبرت أنّ هذا الخطاب لا ينعكس بالكامل على مستوى التمثيل الفعلي للنساء داخل المسابقة الرسمية وصناعة القرار السينمائي. إذ أثار الملصق الرسمي للمهرجان جدلًا واسعًا في الأوساط النسوية والسينمائية. فقد اختار كان صورة مستوحاة من الفيلم الأميركي الشهير Thelma & Louise، ظهرت فيها النجمتان Susan Sarandon وGeena Davis في مشهد أيقوني يرمز إلى الحرية والتمرد النسوي، وذلك احتفاءً بمرور 35 عامًا على عرض الفيلم لأول مرة.
لكنّ جمعيات نسوية، أبرزها مجموعة “50/50”، اعتبرت أنّ المهرجان يمارس نوعًا من “التجميل النسوي”، عبر استخدام رموز سينمائية نسائية قوية في حملته البصرية، مقابل استمرار محدودية تمثيل المخرجات في المسابقة الرسمية. وأشارت الانتقادات إلى أنّ عدد الأفلام التي أخرجتها نساء ضمن المنافسة الرئيسية بقي محدوداً مقارنة بعدد الأفلام المشاركة إجمالاً.
كما أثارت تصريحات المدير الفني للمهرجان Thierry Frémaux جدلًا إضافيًا، بعدما رفض اعتماد نظام “الحصص” للمخرجات، مؤكدًا أنّ الاختيارات تقوم على جودة الأعمال السينمائية لا على التوازن العددي، وهو ما قوبل بانتقادات من ناشطات اعتبرن أنّ المشكلة تكمن أساسًا في بنية الصناعة السينمائية وآليات الاختيار داخل المهرجانات الكبرى.
مشاركة نسائية تتقدّم… لكن ببطء
View this post on Instagram
تكشف دورة مهرجان كان 2026 عن تطور نسبي في حضور النساء داخل الاختيارات الرسمية، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أنّ التوازن الكامل لا يزال بعيداً. فبحسب أرقام المهرجان، شكّلت الأفلام التي أخرجتها نساء نحو 34 في المئة من إجمالي الأعمال ضمن الاختيار الرسمي هذا العام، وهي نسبة أعلى مقارنة بعام 2025، وتشمل مختلف الأقسام مثل “نظرة ما” والعروض الخاصة و”كان بروميير”.
إلا أنّ الصورة تبدو مختلفة داخل المسابقة الرسمية الأهم، حيث تنافس خمس مخرجات فقط على السعفة الذهبية من أصل 22 فيلمًا، مقارنة بسبع مخرجات في دورة 2025، ما اعتبره كثيرون تراجعًا واضحًا في القسم الأكثر تأثيرًا داخل المهرجان.
ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة النقاش الذي انطلق بقوة منذ احتجاج عام 2018، حين قادت Cate Blanchett مع 81 امرأة من عالم السينما وقفة رمزية على درجات قصر المهرجانات، احتجاجًا على الفجوة التاريخية بين عدد المخرجين الرجال والنساء الذين نافسوا على السعفة الذهبية. ومنذ ذلك الحين، شهد المهرجان تحسنًا تدريجيًا في نسب المشاركة النسائية، إلا أنّ الأرقام لا تزال متذبذبة بين دورة وأخرى.
ويرى نقاد ومتابعون أنّ المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الأفلام النسائية، بل أيضًا بموقعها داخل هيكلية المهرجان. فالمسابقة الرسمية تبقى الواجهة الأهم إعلاميًا وفنيًا، وهي القسم الذي يمنح الأفلام فرصًا أكبر للتوزيع العالمي والجوائز الدولية، ما يجعل محدودية حضور النساء فيه أكثر حساسية مقارنة بالأقسام الموازية.
وفي المقابل، يؤكد مهرجان كان أنّ الاختيارات تستند إلى القيمة الفنية للأعمال لا إلى التوازن العددي، بينما ترى جمعيات نسوية أنّ هذا المنطق يتجاهل الاختلالات البنيوية داخل صناعة السينما العالمية، والتي تؤثر أساسًا على فرص النساء في الوصول إلى مشاريع إنتاجية كبرى ومواقع تنافسية داخل المهرجانات الدولية.
خمس مخرجات في المنافسة الرسمية
رغم الانتقادات المرتبطة بمحدودية التمثيل النسائي في المسابقة الرسمية، شهدت دورة كان 2026 حضور خمس مخرجات قدّمن أعمالاً تنتمي إلى عوالم وأساليب سينمائية مختلفة، بين الدراما النفسية والسرد السياسي والقصص الإنسانية المعاصرة. وقد تراوحت ردود فعل النقاد بين الإشادة الجمالية والتحفظ على بعض الخيارات السردية، ما جعل الأفلام النسائية هذا العام محورًا أساسيًا للنقاش النقدي داخل المهرجان.
Léa Mysius
شاعرية بصرية في “Histoires de la Nuit”
View this post on Instagram
لفتت المخرجة الفرنسية ليا ميسيوس الأنظار بفيلم Histoires de la Nuit، الذي مزج بين الدراما النفسية والغموض ضمن معالجة بصرية شاعرية. وأشاد نقاد كثر بقدرتها على خلق توتر داخلي هادئ يعتمد على الصورة والإيقاع أكثر من الحوار، معتبرين أنّ الفيلم يؤكد مكانتها كأحد أبرز الأصوات النسائية الجديدة في السينما الفرنسية. في المقابل، رأى بعض النقاد أنّ العمل بدا شديد التأمل وبطيء الإيقاع بالنسبة للجمهور الأوسع.
Marie Kreutzer
قراءة معاصرة للسلطة والهوية
View this post on Instagram
أما المخرجة النمساوية ماري كرويتزر، فشاركت بفيلم Gentle Monster، الذي تناول العلاقات الإنسانية والسلطة النفسية ضمن سرد اجتماعي معاصر. وقد انقسمت الآراء النقدية حول الفيلم؛ فبينما اعتبره البعض عملًا ذكيًا في تفكيك العلاقات المعقدة بين الشخصيات، رأى آخرون أنّ الطابع الرمزي المكثف طغى أحيانًا على البعد العاطفي للقصة. ومع ذلك، أجمعت المراجعات على قوة الأداء التمثيلي والرؤية الإخراجية الدقيقة.
Charlène Bourgeois-Tacquet
حساسية إنسانية عالية
View this post on Instagram
قدّمت شارلين بورجوا تاكيه في La Vie d’Une Femme فيلماً أقرب إلى التأمل الإنساني الهادئ، حيث ركزت على التحولات العاطفية والشخصية لامرأة تواجه تغيرات حاسمة في حياتها. واعتبر عدد من النقاد أنّ الفيلم يتميز بحساسية عالية في بناء الشخصيات، بينما رأى آخرون أنّه يفتقر إلى المفاجآت الدرامية الكبرى. إلا أنّ الأداء النسائي الرئيسي حظي بإشادة واسعة داخل الصحافة الفرنسية.
Kelly Reichardt
السينما المستقلة بصوت نسائي أميركي
View this post on Instagram
سجلت المخرجة الأميركية كيلي رايشاردت حضورًا لافتًا بفيلمها الجديد الذي واصل أسلوبها المعروف القائم على السرد البطيء والواقعية الدقيقة. وأشاد نقاد السينما المستقلة بقدرتها على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى مادة سينمائية عميقة، معتبرين أنّ فيلمها من أكثر الأعمال نضجًا في المسابقة. في المقابل، رأى بعض المتابعين أنّ إيقاع العمل التأملي قد يحدّ من جماهيريته خارج الدوائر النقدية.
Mati Diop
السياسة والذاكرة في تجربة بصرية جريئة
أما المخرجة الفرنسية السنغالية ماتي ديوب، فقد عادت إلى كان بفيلم حمل أبعاداً سياسية وتأملية حول الذاكرة والهوية والهجرة. واعتبر نقاد أنّ العمل يواصل مشروعها السينمائي القائم على المزج بين الوثائقي والخيال بأسلوب بصري جريء، فيما رأى آخرون أنّ الطابع التجريبي للفيلم جعله أقل تواصلاً مع الجمهور التقليدي. ومع ذلك، بقي اسم ديوب من بين الأسماء الأكثر تداولاً في التوقعات المرتبطة بالجوائز الفنية.
حضور نسائي يتجاوز الأضواء
الى جانب مشاركة 5 مخرجات في المسابقة الرسمية، شهدت الأقسام الموازية والفعاليات الخاصة من هذه الدورة من مهرجان كان حضورًا واسعًا لصانعات أفلام ومنتجات وممثلات من مختلف أنحاء العالم.
ويعكس هذا الحضور استمرار التحوّل الذي يشهده مهرجان كان خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد الاهتمام بالأصوات النسائية في السينما العالمية، سواء من خلال القصص التي ترويها الأفلام أو عبر منح النساء مساحة أكبر خلف الكاميرا.
Women in Cinema
منصة عالمية لإبراز الأصوات النسائية الجديدة
في مقابل الجدل الدائر حول نسب تمثيل النساء داخل المسابقة الرسمية، برزت مبادرات موازية سعت إلى تعزيز حضور المرأة في صناعة السينما العالمية، وكان أبرزها فعالية “Women in Cinema” التي نظّمتها Red Sea Film Foundation على هامش المهرجان، والتي تحولت هذا العام إلى واحدة من أبرز المنصات الداعمة للمبدعات من مختلف أنحاء العالم.
وهدفت المبادرة إلى تسليط الضوء على النساء اللواتي يقدن موجة جديدة من السينما العالمية، سواء في الإخراج أو الإنتاج أو التمثيل، مع تركيز واضح على الأصوات القادمة من العالم العربي وآسيا وإفريقيا، بعيدًا عن المركزية التقليدية لهوليوود والمنظومة الغربية.
وشهدت الفعالية تكريم ست شخصيات نسائية من خلفيات ثقافية متنوعة، من بينهن المخرجة المغربية Laïla Marrakchi، المعروفة بأعمالها التي تتناول التحولات الاجتماعية والهوية الثقافية في العالم العربي، إلى جانب الممثلة والمنتجة النيجيرية Genevieve Nnaji، إحدى أبرز الشخصيات المؤثرة في صناعة “نوليوود” الإفريقية.
كما ضمت القائمة الممثلة والكاتبة السعودية Aixa Kay، إضافة إلى المخرجة الإندونيسية Kamila Andini، والمخرجة الرواندية Marie-Clementine Dusabejambo، والممثلة الهندية Tara Sutaria، في خطوة عكست الطابع العالمي للمبادرة ورغبتها في توسيع مفهوم السينما النسائية خارج الحدود التقليدية.
ولم تقتصر الفعالية على التكريمات الرمزية، بل شملت جلسات حوارية ولقاءات مهنية ناقشت التحديات التي تواجه النساء في الصناعة السينمائية، من التمويل وفرص الإنتاج إلى التوزيع والتمثيل داخل المهرجانات الكبرى.
حضور نسائي فاعل داخل لجان التحكيم
View this post on Instagram
لم يقتصر الحضور النسائي في مهرجان كان 2026 على الأفلام والفعاليات الموازية، بل امتد أيضاً إلى لجان التحكيم التي شهدت مشاركة مؤثرة لعدد من أبرز الأسماء النسائية في السينما العالمية.
وضمت لجنة تحكيم المسابقة الرسمية هذا العام الممثلة الأميركية Demi Moore، التي سجّلت حضورها الأول كعضو في لجنة تحكيم كان، إلى جانب الممثلة والمنتجة Ruth Negga، المعروفة بأدوارها التي تجمع بين السينما المستقلة والإنتاجات العالمية.
كما شهدت اللجنة حضور المخرجة البلجيكية Laura Wandel، التي عُرفت بأعمالها الإنسانية ذات الطابع الواقعي، إضافة إلى المخرجة الحائزة على الأوسكار Chloé Zhao، والتي اعتُبر انضمامها إلى اللجنة مؤشرًا على المكانة المتزايدة التي تحتلها المخرجات النساء داخل صناعة السينما العالمية.