في عالم الأزياء الفاخرة، حيث تتنافس دور الموضة العالمية على تقديم تصاميم استثنائية تتجاوز حدود الابتكار التقليدي، تبرز الحرف اليدوية بوصفها أحد أهم عناصر التميّز والهوية. فلم تعد الفخامة تقتصر على قيمة المواد المستخدمة أو شهرة العلامة التجارية، بل أصبحت ترتبط بالقصة التي يحملها التصميم، والمهارات الإنسانية التي تقف وراء تنفيذه، والإرث الثقافي الذي يمنحه شخصية لا تتكرر. ومن هذا المنطلق، جاء التعاون بين دار فندي Fendi ومجلس إرثي للحرف المعاصرة والمصمم الإماراتي خالد الشعفار ليقدّم قراءة جديدة لإحدى أشهر الحقائب في تاريخ الموضة، من خلال إصدار إماراتي خاص من حقيبة Fendi Baguette، تتحوّل فيه خيوط التلّي التقليدية إلى لغة تصميم معاصرة تعكس جماليات البيئة الإماراتية وثراء تراثها الحرفي. وشهدت سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة ورئيسة مجلس الشارقة للأسرة والمجتمع، إطلاق الإصدار الخاص خلال حفل أُقيم في استوديوهات الحمرية بإمارة الشارقة، بحضور شخصيات بارزة وممثلين عن دار فندي ونخبة من المهتمين بالتصميم والأزياء. ولم يكن هذا الإطلاق مجرد مناسبة للكشف عن حقيبة جديدة، بل جاء تتويجاً لرحلة إبداعية استمرت عامين، شاركت خلالها 12 حرفية إماراتية في تنفيذ التفاصيل اليدوية للتصميم، بإجمالي 435 ساعة عمل. والنتيجة قطعة تجمع بين الدقة الحرفية الإماراتية والإرث الإيطالي في صناعة المنتجات الجلدية الفاخرة، وتؤكد قدرة الحرف التقليدية على إيجاد مكان لها في أكثر قطاعات الموضة العالمية تنافسية.
حقيبة باغيت… أيقونة عالمية بهوية جديدة
تحتل حقيبة باغيت مكانة خاصة في تاريخ دار فندي، منذ تقديمها للمرة الأولى عام 1997 على يد المصممة سيلفيا فينتوريني فندي. فقد نجحت الحقيبة، بتصميمها المستطيل المدمج وحزامها القصير الذي يسمح بحملها تحت الذراع، في التحوّل إلى إحدى القطع الأكثر شهرة في عالم الإكسسوارات الفاخرة. واستمدت اسمها من طريقة حملها التي تشبه حمل رغيف الخبز الفرنسي الشهير تحت الذراع، قبل أن تتحوّل إلى رمز للأناقة في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة. ومع مرور السنوات، أعادت الدار تقديمها بإصدارات متعددة، من خلال تنويعات في الألوان والخامات والتطريز والتعاون مع فنانين ومصممين من خلفيات ثقافية مختلفة. ويأتي الإصدار الإماراتي ليضيف فصلاً جديداً إلى هذه المسيرة، لكنه يتميّز هذه المرة بحضور الحرفة التقليدية في صميم التصميم، لا بوصفها تفصيلاً زخرفياً إضافياً. فقد أصبحت شرائط التلّي المنسوجة يدوياً جزءاً أساسياً من شخصية الحقيبة، فيما استُخدمت الرموز المستوحاة من البيئة المحلية والخط العربي لتقديم تفسير جديد لهوية فندي البصرية. وهكذا، تحافظ الحقيبة على ملامحها الأيقونية المعروفة، لكنها تكتسب هوية إماراتية تمنحها بعداً ثقافياً يتجاوز حدود الموضة الموسمية.
حرفة التلّي… إرث إماراتي يعبر إلى عالم الأزياء الفاخرة
تُعدّ حرفة التلّي من أبرز الفنون التقليدية المرتبطة بالملابس والزينة في الإمارات، وهي تقوم على تشابك الخيوط الملونة والمعدنية لإنتاج شرائط زخرفية دقيقة تُستخدم لتزيين الأزياء، ولا سيما الملابس النسائية التقليدية. وتتطلب هذه الحرفة مهارة عالية وصبراً ودقة في تنسيق الخيوط وتشكيل الأنماط الهندسية. وقد انتقلت تقنيات التلّي عبر الأجيال، محافظة على حضورها في الذاكرة الثقافية الإماراتية، قبل أن تبدأ المؤسسات المعنية بالتراث والتصميم في استكشاف إمكاناتها ضمن منتجات معاصرة تتجاوز الاستخدامات التقليدية. وفي مشروع فندي باغيت، اكتسبت هذه الحرفة دوراً جديداً، إذ لم تعد مجرد عنصر مرتبط بالزي التراثي، بل أصبحت جزءاً من تصميم حقيبة فاخرة تحمل توقيع دار عالمية. ويكتسب هذا التحوّل أهمية خاصة لأنه يتيح تقديم الحرف التقليدية لجمهور جديد، ويؤكد أن المحافظة على التراث لا تعني بالضرورة إبقاءه ضمن أشكاله القديمة، بل يمكن أن تتحقق أيضاً من خلال تطوير استخداماته بما يتناسب مع متطلبات العصر. وقد عمل مجلس إرثي للحرف المعاصرة على تطوير أكثر من 80 تصميماً ونمطاً مختلفاً من التلّي، من خلال برامجه ومراكز تطوير المهارات، بهدف توسيع مجالات استخدام هذه الحرفة وإدماجها في المنتجات المعاصرة.
خالد الشعفار… حين تروي الألوان تفاصيل البيئة الإماراتية
تولى المصمم الإماراتي خالد الشعفار تطوير الرؤية الإبداعية للحقيبة، مستلهماً عناصرها من الطبيعة الإماراتية والهوية الثقافية المحلية، في محاولة للجمع بين الخصوصية التراثية والشخصية الأيقونية التي تتمتع بها حقيبة باغيت. وتكشف لوحة الألوان المختارة عن ارتباط واضح بالمشهد الطبيعي الإماراتي، إذ يحضر الأخضر الداكن بوصفه تعبيراً عن أشجار النخيل، فيما يستحضر الرمادي والأخضر الفاتح ألوان شجرة الغاف، التي تحتل مكانة مميزة في البيئة الإماراتية. أما اللونان الخردلي والذهبي، فيعكسان أزهار الغاف وأشعة شمس الصحراء، بينما تضيف الخيوط الفضية بعداً مستمداً من المواد المستخدمة تقليدياً في حرفة التلّي. ولا تتوقف أهمية هذه الاختيارات عند بعدها الجمالي، بل تكمن أيضاً في تحويل عناصر مألوفة من البيئة المحلية إلى مفردات تصميم يمكن قراءتها عالمياً. فالألوان هنا لا تُستخدم لمجرد تحقيق التناغم البصري، بل تؤدي وظيفة سردية، تجعل الحقيبة تحمل إشارات إلى المكان الذي استُلهمت منه. ومن أكثر تفاصيل التصميم تميّزاً إعادة تقديم حرف الفاء العربي، المستوحى من الخط الكوفي، في معالجة بصرية ترتبط بشعار فندي الشهير. وقد حوّل الشعفار التكوين الهندسي للحرف إلى نمط منسوج بتقنيات التلّي، في خطوة تجمع بين جماليات الخط العربي والهوية البصرية للدار الإيطالية. وتكتمل هذه المعالجة بشرائط التلّي المنسوجة يدوياً، وشراريب حريرية باللون الأخضر الداكن تمتد على جسم الحقيبة وحزامها، إلى جانب إبزيم معدني يحمل شعار FF بتفاصيل ذهبية ومينا خضراء داكنة. ويكشف هذا المزج عن مقاربة تصميمية لا تقوم على وضع الرموز التراثية فوق منتج عالمي جاهز، بل على إعادة تفسير عناصره الأساسية من خلال لغة ثقافية مختلفة، من دون المساس بهويته الأصلية.
12 حرفية إماراتية وراء التفاصيل الاستثنائية
وراء هذا الإصدار المحدود، تقف مساهمة 12 حرفية إماراتية من مجلس إرثي للحرف المعاصرة، عملن على تنفيذ التفاصيل اليدوية للحقيبة خلال مشروع امتد عامين، بإجمالي 435 ساعة عمل. وتبرز أهمية هذه المشاركة في أنها تضع المهارات الحرفية النسائية في قلب العملية الإبداعية، وتمنحها دوراً يتجاوز الإنتاج التقليدي إلى المساهمة في تطوير منتجات تستهدف سوق الأزياء الفاخرة. وفي هذا السياق، أكدت ريم بن كرم، مدير عام مجلس إرثي للحرف المعاصرة، أن التعاون مع فندي وخالد الشعفار يشكّل خطوة مهمة لتعزيز حضور الحرف الإماراتية في قطاع التصميم العالمي، وتحويل المهارات المتوارثة إلى منتجات ذات قيمة إبداعية واقتصادية. وشددت على أهمية بناء شراكات تضع الحرفيات في صميم العملية الإبداعية، وتوفر لهن فرصاً أوسع للمشاركة والإنتاج، بما يساهم في استدامة الحرف التقليدية وانتقال معارفها إلى الأجيال المقبلة. وتعكس هذه الرؤية تحوّلاً أوسع في التعامل مع الحرف اليدوية، من اعتبارها نشاطاً مرتبطاً بحفظ الذاكرة الشعبية إلى النظر إليها بوصفها مصدراً للابتكار وفرصة للمشاركة في الاقتصاد الإبداعي.
فندي وإرثي… شراكة تتجاوز حدود الموضة

بالنسبة إلى دار فندي، يمثل التعاون مع مجلس إرثي فرصة لإعادة تقديم إحدى أشهر حقائبها من خلال رؤية ثقافية جديدة، مع المحافظة على القيم الحرفية التي تشكّل جزءاً أساسياً من هوية الدار الإيطالية. وقد أكدت ديما حلال، المدير التنفيذي لدار فندي في الشرق الأوسط، أن المشروع يجمع بين الخبرات الإيطالية العريقة والتقاليد الغنية للحرف الإماراتية، ويعكس التزام الدار بدعم المواهب المحلية والحفاظ على المهارات الحرفية. ويأتي هذا التعاون ضمن توجه أوسع في عالم المنتجات الفاخرة، حيث تزداد أهمية الشراكات التي تجمع بين العلامات العالمية والمبدعين المحليين، ليس فقط بهدف ابتكار تصاميم مختلفة، بل أيضاً لتقديم منتجات ترتبط بثقافات وأسواق متنوعة. أما مجلس إرثي، فيواصل من خلال هذه الشراكة جهوده الرامية إلى تعزيز الحضور الدولي للحرف الإماراتية، مستفيداً من خبراته في تطوير المنتجات والتعاون مع المصممين والمؤسسات العالمية. وقد سبق للمجلس أن عمل مع أسماء بارزة في عالم التصميم والرفاهية، من بينها بولغري وكارتييه وأسبري، كما عرض أعمالاً حرفية إماراتية في منصات دولية في باريس وميلانو ولندن وغيرها من المدن.
من الحرفة التقليدية إلى الاقتصاد الإبداعي
لا تقتصر أهمية مشروع فندي باغيت الإماراتية على قيمته الجمالية، بل تمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تنتج عن إدماج الحرف التقليدية في صناعات التصميم الفاخر. فحين تتحوّل المهارات اليدوية المتوارثة إلى جزء من منتجات عالمية، تتوسع فرص تطويرها وتسويقها، وتصبح المعرفة الحرفية مورداً إبداعياً يمكن الاستثمار فيه، بدلاً من أن تبقى محصورة في نطاق الإنتاج المحلي المحدود. ومن هنا، تبرز أهمية دور المؤسسات المتخصصة في توفير التدريب وتطوير الأنماط التقليدية وفتح قنوات التعاون مع المصممين ودور الأزياء. فاستدامة الحرفة لا ترتبط فقط بتعليم تقنياتها للأجيال الجديدة، بل تحتاج أيضاً إلى توفير فرص عملية تجعل ممارستها مجدية من الناحيتين الإبداعية والاقتصادية. وفي حالة التلّي، يقدّم التعاون مع فندي نموذجاً لهذه الإمكانات، من خلال الانتقال بالحرفة من وظيفتها التقليدية في تزيين الملابس إلى توظيفها في تصميم إكسسوارات فاخرة.
بعد إنساني يضيف معنى جديداً للفخامة
إلى جانب قيمته الثقافية والتصميمية، يحمل الإصدار الإماراتي من حقيبة فندي باغيت بعداً إنسانياً، إذ خُصّص جزء من عائداته لدعم المشاريع والمبادرات التي تنفذها مؤسسة القلب الكبير لمساعدة اللاجئين والنازحين والمجتمعات المحتاجة حول العالم. ويضيف هذا الجانب بعداً اجتماعياً إلى المشروع، بحيث لا يقتصر أثره المعلن على دعم الحرفيات والحفاظ على المهارات التقليدية، بل يمتد إلى المساهمة في مبادرات إنسانية تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً. ولم يُعلن في المعلومات المنشورة عن النسبة المحددة من العائدات المخصصة لهذه المبادرات.
الشارقة… منصة تجمع التراث بالابتكار
يحمل إطلاق الحقيبة في الشارقة دلالة تتجاوز اختيار مكان الاحتفال، إذ ينسجم مع الجهود التي تبذلها الإمارة لتعزيز مكانة الصناعات الثقافية والحرفية، وتطوير منصات تجمع بين المعرفة التقليدية والتصميم المعاصر. ومن خلال برامج مجلس إرثي وشراكاته الدولية، تتشكل منظومة تتيح للحرفيات والمصممين العمل معاً على تقديم منتجات تجمع بين الهوية المحلية ومتطلبات الأسواق العالمية. وفي هذا الإطار، يقدّم التعاون مع فندي مثالاً على الإمكانات التي تتيحها الشراكات الثقافية العابرة للحدود، عندما تقوم على تبادل الخبرات واحترام خصوصية المهارات المحلية، بدلاً من الاكتفاء باستعارة عناصر زخرفية من التراث. فالحرف الإماراتية، بما تحمله من تقنيات ورموز ومعارف متوارثة، تملك القدرة على المشاركة في صياغة تصاميم جديدة، شرط توفير البيئة التي تسمح بتطويرها وتقديمها ضمن سياقات معاصرة.
حين تصبح الحقيبة حكاية ثقافية

تتجاوز حقيبة فندي باغيت بإصدارها الإماراتي حدود الإكسسوار الفاخر، لتصبح مساحة يلتقي فيها تاريخ التصميم الإيطالي مع ذاكرة الحرف الإماراتية، وتتحوّل فيها خيوط التلّي إلى تعبير عن الهوية والإبداع والاستمرارية. فبين رؤية خالد الشعفار، ومهارات 12حرفية إماراتية، والخبرة التي تحملها دار فندي، يتشكّل نموذج لتعاون يثبت أن الحرف التقليدية قادرة على مواكبة تطورات عالم الموضة، من دون أن تفقد ارتباطها بجذورها. وربما تكمن القيمة الأبرز لهذا المشروع في إعادة الاعتبار إلى الأيدي التي تصنع التفاصيل، وإلى المعرفة التي تنتقل بين الأجيال، في زمن تتسارع فيه وتيرة الإنتاج وتتغير فيه اتجاهات الموضة باستمرار. وهكذا، لا تروي حقيبة باغيت الإماراتية قصة تصميم استثنائي فحسب، بل تحكي أيضاً قصة تراث يجد طريقه إلى المستقبل، وحرفة محلية تعبر الحدود لتصبح جزءاً من لغة الفخامة العالمية.