هل يؤثر الوزن في تسارع السكري المناعي؟ دراسة تكشف التفاصيل

مصدر الصورة: Getty

لطالما ارتبطت زيادة الوزن والسمنة بارتفاع مخاطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، لكن العلاقة بين الوزن والسكري من النوع الأول أكثر تعقيداً، لأن النوع الأول مرض مناعي ذاتي يهاجم فيه جهاز المناعة الخلايا المنتجة للأنسولين في البنكرياس. والآن، تقدم دراسة حديثة نُشرت في مجلة Diabetes Care دليلاً جديداً على أن الوصول إلى نطاق صحي لمؤشر كتلة الجسم BMI قد يرتبط بانخفاض احتمال انتقال الأشخاص المعرضين للإصابة بالسكري من النوع الأول إلى المرحلة السريرية للمرض، وخصوصاً بين الأطفال والمراهقين. وتكتسب النتائج أهمية خاصة لأنها لا تتناول أشخاصاً أصحاء بصورة عامة، بل أفراداً لديهم بالفعل أجسام مضادة ذاتية مرتبطة بجزر البنكرياس، وهي مؤشرات على وجود عملية مناعية مرتبطة بالسكري من النوع الأول قبل ظهور الأعراض السريرية.

ما الذي بحثت فيه الدراسة الجديدة؟

تطبيع مؤشر كتلة الجسم محور الدراسة الجديدة حول تطور السكري من النوع الأول  - مصدر الصورة: Pinterest
تطبيع مؤشر كتلة الجسم محور الدراسة الجديدة حول تطور السكري من النوع الأول – مصدر الصورة: Pinterest

سعى الباحثون بقيادة الدكتورة ماريا ريدوندو من كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال إلى الإجابة عن سؤال محدد: إذا كان ارتفاع مؤشر كتلة الجسم مرتبطاً بتسارع تطور السكري من النوع الأول لدى الأشخاص المعرضين للخطر، فهل يمكن أن ترتبط عودة مؤشر كتلة الجسم إلى النطاق الطبيعي بتراجع هذا الخطر؟ للإجابة عن ذلك، حلل الفريق بيانات 833 مشاركاً ضمن شبكة  TrialNet Pathway to Prevention، وهي شبكة بحثية تتابع الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالسكري من النوع الأول بهدف فهم تطور المرض وسبل الوقاية منه أو تأخيره. وكان المشاركون يعانون من زيادة الوزن أو السمنة عند بداية المتابعة، إضافة إلى وجود أجسام مضادة ذاتية مرتبطة بالسكري من النوع الأول. واستمرت المتابعة بوسيط بلغ نحو 4.1 سنوات، مع توفر ثلاث قياسات على الأقل لمؤشر كتلة الجسم لكل مشارك.

النتيجة الأبرز: انخفاض الخطر بنحو 48%

دراسة شملت 833 مشاركاً: الوصول إلى نطاق الوزن الطبيعي ارتبط بانخفاض الخطر بنحو 48% - مصدر الصورة: Pinterest
دراسة شملت 833 مشاركاً: الوصول إلى نطاق الوزن الطبيعي ارتبط بانخفاض الخطر بنحو 48% – مصدر الصورة: Pinterest

خلال فترة المتابعة، انتقل نحو 26.8% من المشاركين من فئة زيادة الوزن أو السمنة إلى نطاق مؤشر كتلة الجسم الطبيعي. وأظهرت الدراسة أن المشاركين الذين عاد مؤشر كتلة الجسم لديهم إلى النطاق الطبيعي كانت لديهم مخاطر أقل بنحو 48.4% للانتقال إلى المرحلة الثالثة من السكري من النوع الأول مقارنة بمن ظل مؤشر كتلة الجسم لديهم مرتفعاً، بعد أخذ عوامل مثل العمر، ومؤشر كتلة الجسم الأساسي، ومرحلة المرض عند بدء الدراسة في الاعتبار. وبعبارة أخرى، فإن الدراسة وجدت ارتباطاً قوياً بين تطبيع مؤشر كتلة الجسم وتراجع خطر تطور السكري من النوع الأول سريرياً لدى هذه الفئة عالية الخطورة. لكن هذه النسبة لا تعني أن فقدان الوزن يخفض احتمال الإصابة بالسكري من النوع الأول بنسبة 48% لدى جميع الناس؛ فالدراسة اقتصرت على مجموعة محددة من الأشخاص الذين لديهم مؤشرات مناعية مسبقة للمرض.

لماذا يختلف السكري من النوع الأول عن النوع الثاني؟

السكري من النوع الأول مرض مناعي ذاتي لا تسببه السمنة - مصدر الصورة: Pinterest
السكري من النوع الأول مرض مناعي ذاتي لا تسببه السمنة – مصدر الصورة: Pinterest

يُعد السكري من النوع الأول مرضاً مناعياً ذاتياً؛ إذ يهاجم الجهاز المناعي خلايا بيتا في جزر لانغرهانس داخل البنكرياس، وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج الأنسولين. ومع تراجع إنتاج الأنسولين، تصبح خلايا الجسم غير قادرة على استخدام الغلوكوز الموجود في الدم بصورة طبيعية لإنتاج الطاقة. وقد يؤدي نقص الأنسولين الشديد إلى الحماض الكيتوني السكري، وهو أحد أخطر مضاعفات السكري من النوع الأول. لذلك، فإن الحديث عن الوزن في سياق هذه الدراسة لا يعني أن السمنة هي السبب المباشر للسكري من النوع الأول، ولا يعني أن المرض يمكن الوقاية منه بمجرد إنقاص الوزن.

الأجسام المضادة الذاتية تكشف الخطر قبل ظهور الأعراض

البنكرياس يكشف إشارات السكري قبل ظهور الأعراض - مصدر الصورة: Pinterest
البنكرياس يكشف إشارات السكري قبل ظهور الأعراض – مصدر الصورة: Pinterest

أحد التطورات المهمة في مجال الوقاية من السكري من النوع الأول هو القدرة على التعرف إلى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة قبل ظهور الأعراض التقليدية للمرض. وتُستخدم الأجسام المضادة الذاتية المرتبطة بجزر البنكرياس كإحدى العلامات التي تكشف وجود استجابة مناعية تستهدف الخلايا المنتجة للأنسولين. ويُنظر إلى السكري من النوع الأول حالياً باعتباره مرضاً يتطور عبر مراحل، تبدأ بوجود الاستعداد المناعي، ثم ظهور علامات أكثر تقدماً مثل اضطراب مستويات الغلوكوز، وصولاً إلى المرحلة السريرية التي تظهر فيها أعراض المرض ويتم تشخيصه. وتسمح هذه الرؤية المرحلية للباحثين بدراسة عوامل قد تؤثر في سرعة الانتقال من مرحلة إلى أخرى.

هل كان تأثير الوزن متساوياً لدى الأطفال والبالغين؟

الأطفال والمراهقون الأكثر استفادة من الارتباط بين الوزن الصحي وتراجع خطر تطور السكري من النوع الأول - مصدر الصورة: Pinterest
الأطفال والمراهقون الأكثر استفادة من الارتباط بين الوزن الصحي وتراجع خطر تطور السكري من النوع الأول – مصدر الصورة: Pinterest

بناءً على أبرز النقاط التي كشفتها الدراسة، كان الارتباط بين تطبيع مؤشر كتلة الجسم وتراجع خطر تطور السكري من النوع الأول أوضح لدى الأطفال والمراهقين مقارنة بالبالغين. وعند تحليل الفئات العمرية والجنسية بصورة أكثر تفصيلاً، ظهر الارتباط الأقوى لدى: الأولاد الذين تقل أعمارهم عن 12 عاماً. الفتيات بين 12 و17 عاماً. أما لدى البالغين، فلم يجد الباحثون ارتباطاً واضحاً بين عودة مؤشر كتلة الجسم إلى النطاق الطبيعي وانخفاض خطر الانتقال إلى السكري من النوع الأول. ولا يزال سبب هذا الاختلاف بين الأعمار غير واضح، ويعمل الباحثون على تحديد العوامل البيولوجية أو الأيضية التي قد تفسره.

ماذا تقول الأرقام التفصيلية للدراسة؟

انخفاض الوزن إلى المعدل الطبيعي يرتبط بتراجع خطر تطور السكري من النوع الأول - مصدر الصورة: Pinterest
انخفاض الوزن إلى المعدل الطبيعي يرتبط بتراجع خطر تطور السكري من النوع الأول – مصدر الصورة: Pinterest

عند تعديل النتائج وفق العوامل الأساسية، بلغ معدل الخطر للانتقال إلى المرحلة الثالثة من السكري من النوع الأول 0.516 لدى الأشخاص الذين أصبح مؤشر كتلة الجسم لديهم طبيعياً، ما يعادل انخفاضاً في الخطر يقترب من 48%. كما ارتبط تطبيع مؤشر كتلة الجسم بانخفاض خطر الانتقال إلى المرحلة الثانية من السكري من النوع الأول، وهي المرحلة التي يبدأ فيها اضطراب سكر الدم، وليس فقط الوصول لاحقاً إلى التشخيص السريري. وكان الارتباط أكثر وضوحاً لدى الأشخاص الذين كانوا يعانون من السمنة عند بداية الدراسة، إذ بلغ معدل الخطر المعدل للانتقال إلى المرحلة الثالثة 0.282 مقارنة بالفئات المرجعية في التحليل الخاص بهذه المجموعة. كما ارتبط الانتقال من السمنة إلى زيادة الوزن بانخفاض في الخطر. هذه النتائج تعزز الفرضية التي تقول إن الدهون الزائدة وحالة الأيض قد تؤثران في سرعة تقدم المرض المناعي لدى بعض الأشخاص المعرضين وراثياً ومناعياً للإصابة بالسكري من النوع الأول.

هل يعني ذلك أن السمنة تسبب السكري من النوع الأول؟

السمنة لا تعني بالضرورة التسبب بالسكري من النوع الأول - مصدر الصورة: Pinterest
السمنة لا تعني بالضرورة التسبب بالسكري من النوع الأول – مصدر الصورة: Pinterest

ليس بالضرورة. وهنا يجب التعامل بحذر مع عنوان الدراسة ونتائجها. الدراسة رصدية وليست تجربة سريرية عشوائية، ولذلك فإنها تستطيع إظهار وجود ارتباط بين عاملين، لكنها لا تستطيع إثبات أن خفض مؤشر كتلة الجسم هو الذي تسبب مباشرة في انخفاض خطر السكري من النوع الأول. فعلى سبيل المثال، قد تكون هناك عوامل أخرى مرتبطة بالأشخاص الذين وصلوا إلى نطاق الوزن الطبيعي، مثل النشاط البدني، والنظام الغذائي، والنمو، والحالة الأيضية أو عوامل صحية أخرى، ساهمت في النتائج. ولهذا يؤكد الباحثون أن النتائج توفر أساساً لدراسات تدخلية مستقبلية، لكنها لا تثبت أن إنقاص الوزن يمكنه منع السكري من النوع الأول أو تأخير ظهوره بصورة مؤكدة.

لماذا قد يكون الوزن مهماً في مسار المرض؟

زيادة الوزن قد تسرّع مسار السكري من النوع الأول لدى المعرضين للإصابة - مصدر الصورة: Pinterest
زيادة الوزن قد تسرّع مسار السكري من النوع الأول لدى المعرضين للإصابة – مصدر الصورة: Pinterest

تشير النتائج إلى احتمال أن تكون زيادة كتلة الجسم عاملاً يمكن أن يؤثر في سرعة تطور السكري من النوع الأول لدى الأشخاص الذين بدأت لديهم العملية المناعية بالفعل. وتنسجم هذه الفكرة مع دراسات سابقة من TrialNet ومجموعات بحثية أخرى وجدت ارتباطاً بين زيادة حجم الجسم وتسارع الانتقال نحو السكري من النوع الأول لدى بعض الفئات المعرضة للإصابة. لكن الآلية الدقيقة لا تزال قيد البحث. وقد يكون للضغط الأيضي ومقاومة الأنسولين والتغيرات المرتبطة بزيادة الدهون دور في زيادة الطلب على خلايا بيتا، إلا أن هذه التفسيرات لا تزال تحتاج إلى مزيد من الأدلة لتحديد العلاقة السببية.

ماذا عن الأطفال؟ الوزن الطبيعي لا يعني دائماً فقدان الوزن

الوزن الصحي لدى الأطفال يرتبط بالنمو وليس بفقدان الوزن فقط  - مصدر الصورة: Pinterest
الوزن الصحي لدى الأطفال يرتبط بالنمو وليس بفقدان الوزن فقط – مصدر الصورة: Pinterest

من النقاط المهمة التي ينبغي عدم إغفالها عند تفسير النتائج أن مؤشر كتلة الجسم لدى الأطفال لا يُفسر بالطريقة نفسها المستخدمة لدى البالغين. فالطفل الذي كان يعاني من زيادة الوزن قد يصل إلى نطاق صحي لمؤشر كتلة الجسم من دون أن يفقد وزناً فعلياً. فقد يستقر وزنه لفترة بينما يستمر في النمو ويزداد طوله، فتتحسن النسبة بين الوزن والطول تدريجياً. وهذا يعني أن هدف الوصول إلى وزن صحي لدى الأطفال لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى حمية قاسية أو فقدان سريع للوزن، بل يجب أن يأخذ النمو والتغذية واحتياجات الطفل الفردية في الاعتبار. وتؤكد توصيات الرعاية الخاصة بالأطفال والمراهقين أهمية اتباع نمط غذائي صحي والنشاط البدني والحفاظ على وزن صحي ضمن رعاية الأطفال المصابين بالسكري أو المعرضين لمشكلاته.

ماذا تضيف الدراسة إلى أبحاث الوقاية من السكري من النوع الأول؟

دور تغيّر الوزن في أبحاث الوقاية من السكري من النوع الأول  - مصدر الصورة: Pinterest
دور تغيّر الوزن في أبحاث الوقاية من السكري من النوع الأول – مصدر الصورة: Pinterest

تكمن أهمية الدراسة في أنها لا تسأل فقط عما إذا كان ارتفاع مؤشر كتلة الجسم مرتبطاً بخطر الإصابة، وإنما تبحث في ما إذا كان تغير الوزن نفسه يرتبط بتغير مسار المرض. وهذه نقطة مهمة في أبحاث الوقاية، لأن العامل القابل للتعديل قد يصبح هدفاً لتدخلات مستقبلية إذا أثبتت التجارب السريرية أن تغييره يؤدي فعلاً إلى إبطاء تطور المرض. كما أن الدراسة تعزز أهمية الكشف المبكر عن السكري من النوع الأول ومتابعة الأشخاص الذين تظهر لديهم الأجسام المضادة الذاتية، إذ يمكن أن يوفر تحديد المرض في مراحله المبكرة فرصة لدراسة عوامل قد تؤثر في الانتقال إلى المرحلة السريرية.

ما الذي لا تستطيع الدراسة إثباته؟

رغم النتيجة اللافتة، هناك مجموعة من القيود يجب أخذها في الاعتبار: الدراسة رصدية، وبالتالي لا تثبت علاقة سببية بين إنقاص الوزن وتراجع خطر السكري من النوع الأول. المشاركون كانوا أصلاً معرضين لخطر مرتفع ولديهم أجسام مضادة ذاتية، لذلك لا يمكن تعميم النتائج على عامة السكان. كان الارتباط أقوى لدى الأطفال والمراهقين، بينما لم يكن واضحاً لدى البالغين. بعض التحليلات الفرعية تعتمد على أعداد أصغر من المشاركين، ولذلك ينبغي تفسير الاختلافات بين الجنسين والأعمار بحذر. لا يمكن اعتبار الدراسة دليلاً على أن اتباع حمية لإنقاص الوزن سيمنع السكري من النوع الأول.

هل يمكن أن تغير هذه النتائج طريقة الوقاية من السكري من النوع الأول؟

حدود الدراسة وما لا يمكن إثباته بشأن الوقاية من السكري من النوع الأول  - مصدر الصورة: Pinterest
حدود الدراسة وما لا يمكن إثباته بشأن الوقاية من السكري من النوع الأول – مصدر الصورة: Pinterest

ليس بعد. لكنها قد تمثل خطوة مهمة نحو فهم العوامل القابلة للتعديل التي يمكن أن تؤثر في سرعة تطور المرض. ويحتاج الباحثون إلى تجارب تدخلية مصممة خصيصاً لاختبار ما إذا كان الحفاظ على مؤشر كتلة جسم صحي، أو التدخل في عوامل أيضية محددة، يمكن أن يؤدي فعلاً إلى تأخير انتقال الأشخاص المعرضين للإصابة إلى المراحل المتقدمة من السكري من النوع الأول. وحتى ذلك الحين، ينبغي النظر إلى النتيجة باعتبارها إشارة بحثية واعدة وليست توصية علاجية جديدة.

علاقة واعدة تحتاج إلى إثبات سببي

علاقة واعدة تفتح آفاقًا جديدة في الوقاية من السكري من النوع الأول  - مصدر الصورة: Pinterest
علاقة واعدة تفتح آفاقًا جديدة في الوقاية من السكري من النوع الأول – مصدر الصورة: Pinterest

تكشف دراسة حديثة شملت 833 شخصاً معرضين للإصابة بالسكري من النوع الأول أن الوصول إلى نطاق صحي لمؤشر كتلة الجسم ارتبط بانخفاض قدره نحو 48% في خطر الانتقال إلى المرحلة السريرية للمرض خلال المتابعة. وكان هذا الارتباط أكثر وضوحاً لدى الأطفال والمراهقين، ولا سيما الأولاد الأصغر سناً والفتيات في مرحلة المراهقة، بينما لم يظهر بوضوح لدى البالغين. لكن الرسالة العلمية الأهم ليست أن فقدان الوزن يمنع السكري من النوع الأول؛ فهذا لم تثبته الدراسة. الرسالة هي أن الوزن وحالة الأيض قد يكونان عاملين قابلين للتعديل يؤثران في سرعة تطور المرض لدى الأشخاص الذين بدأت لديهم بالفعل علامات المناعة الذاتية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تجارب سريرية مستقبلية تحدد ما إذا كان الحفاظ على وزن صحي يمكن أن يتحول من مجرد عامل مرتبط بانخفاض الخطر إلى أداة فعلية لتأخير تطور السكري من النوع الأول.

مقالات مشابهة