مصدر الصورة: Pinterest
في عالم يتسارع إيقاعه وتزداد فيه متطلبات العمل والحياة، غالباً ما يكون النوم هو الضحية الأولى التي نضحي بها طواعية. يعتقد الكثيرون أن اقتطاع ساعة أو أكثر من وقت الراحة لإنجاز مهام إضافية أو لتصفح الهواتف الذكية هو مجرد تنازل بسيط لا يضر. غير أن دراسة طبية حديثة، نشرت في دورية Annals of Internal Medicine دقت ناقوس الخطر، كاشفة عن نتائج مفاجئة: التخلي عن 80 دقيقة فقط من النوم ليلاً كفيل بتغيير آلية عمل الجسم، وتغيير هرمونات الشهية، وحدوث زيادة الوزن في غضون أسابيع قليلة. هذا التحقيق يغوص في تفاصيل هذه الدراسة ليفكك العلاقة المعقدة بين مدة النوم والصحة العامة.
تصميم واقعي: ما الذي يميز هذه الدراسة؟

لطالما ربطت الأبحاث السابقة بين قلة النوم وزيادة استهلاك الطعام بمعدل يصل إلى 300 سعرة حرارية إضافية يومياً. إلا أن تلك الدراسات اعتمدت على تجارب قاسية ومختبرية، حيث تم حرمان المشاركين من النوم ليقتصر على 4 ساعات فقط، وهو نمط يصعب على الإنسان العادي تحمله لفترات طويلة. المفارقة في دراسة جامعة كولومبيا الحديثة تكمن في واقعيتها. فقد استهدفت 95 شخصاً بالغاً أصحاء، طُلب منهم ببساطة تأخير موعد نومهم المعتاد بمقدار 90 دقيقة، مع الاستيقاظ في موعدهم المعتاد، وذلك لمدة ستة أسابيع، وهو نمط حياة يشبه إلى حد بعيد ما يعيشه الملايين يومياً.
المفاجأة الأولى: اضطراب الهرمونات وتراكم الدهون

أظهرت القياسات الدورية الدقيقة أن المشاركين اكتسبوا في المتوسط نحو نصف كيلوغرام خلال فترة الدراسة القصيرة. وتفسر الدراسة هذا التغير بأنه مؤشر خطير على المدى الطويل. وقد كشفت تحاليل الدم عن ارتفاع ملحوظ في مستويات هرمون اللبتين لدى المشاركين، وهو الهرمون المرتبط بمخزون الدهون والمسؤول عن تنظيم الشهية وإرسال إشارات الشبع للدماغ، ما يفسر صعوبة تحقيق أهداف فقدان الوزن عند السهر.
مفارقة الوقت الإضافي: سهر أطول يعني نشاطاً أقل!

منطقياً، قد يظن البعض أن البقاء مستيقظاً لساعات أطول يعني حرق المزيد من السعرات الحرارية نتيجة الحركة. لكن الدراسة أثبتت العكس تماماً، فالإرهاق دفع المشاركين نحو التراخي. سجلت أجهزة التتبع أن المشاركين أمضوا 17 دقيقة إضافية يومياً في حالة من التعب مقارنة بأيام النوم الكافي. وكان هذا التأثير أكثر فداحة لدى فئتين: الرجال، والنساء بعد انقطاع الطمث، حيث لوحظ ارتفاع ملحوظ في معدلات الخمول البدني، ليصل وقت الجلوس لديهم إلى 30 دقيقة إضافية يومياً.
ما وراء الوزن: أخطار صحية صامتة تتربص بالقلب

تؤكد الدراسة أن التركيز على التغذية والرياضة فقط هو نظرة قاصرة. لم يتوقف الضرر عند تراكم الكيلوغرامات، بل امتد لتهديدات خطيرة تؤثر على عملية التمثيل الغذائي في الجسم. فقد أظهرت تحليلات سابقة للفريق ذاته أن تقليص النوم بـ 80 دقيقة رفع من درجة مقاومة الإنسولين وهي المسبب الرئيسي لمرض السكري من النوع الثاني.
الحلول: هل يمكن عكس هذه التأثيرات؟

لحسن الحظ، الأضرار ليست حتمية إذا تم تدارك الأمر. فحسب دراسة أجريت عام 2022 أثبتت أن الأشخاص الذين زادوا من مدة نومهم قللوا تلقائياً من استهلاكهم اليومي للطعام بنحو 270 سعرة حرارية دون التزام بحمية غذائية صارمة. يخلص الباحثون والأطباء إلى حقيقة علمية لا تقبل الجدل: إن الالتزام بجدول ساعات النوم الصحية (من 7 إلى 9 ساعات ليلاً) ليس رفاهية، بل يُعد استراتيجية وقائية بسيطة ومجانية، لا تقل أهمية عن الصالات الرياضية، لحماية الجسم من وباء السمنة وأمراض العصر الصامتة.