مصدر الصورة: Getty
لم تدخل مي الطوخي مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي الـ83 بوصفها مجرّد اسم جديد في المسابقة الرسمية؛ كانت المخرجة الوحيدة التي حمل فيلمها توقيع مخرجة بشكل منفرد بين الأفلام المتنافسة على الأسد الذهبي. وبعد عشرة أيام من المنافسة، غادرت الليدو وقد أصبحت صاحبة الجائزة نفسها: Woman Unknown يحصد الأسد الذهبي لأفضل فيلم، في واحدة من أبرز لحظات ختام البندقية 2026.
ولم يكن انتصار الفيلم منفرداً؛ فقد حصلت بطلته Mathilde Arcel أيضاً على كأس فولبي لأفضل ممثلة، ليخرج Woman Unknown من الدورة الـ83 باعتباره أحد أبرز أفلام المسابقة الرسمية وأكثرها حضوراً في حصيلة الجوائز. أما بالنسبة إلى May el-Toukhy، فقد تحولت المشاركة التي بدأت بوصفها لحظة لافتة في تمثيل النساء خلف الكاميرا إلى محطة مفصلية في مسيرتها، ورسخت اسمها بين المخرجات اللواتي وصلن إلى قمة المنافسة في أحد أعرق مهرجانات السينما العالمية.
من المخرجة الوحيدة إلى صاحبة الأسد الذهبي
لم يكن أحد يستطيع، قبل انطلاق المهرجان، أن يعرف إلى أين ستقود هذه المشاركة. لكن النتيجة جاءت أكثر قوة من مجرد حضور رمزي. فقد اختارت لجنة التحكيم، برئاسة المخرجة والممثلة الأميركية Maggie Gyllenhaal، فيلم Woman Unknown ليحصد الأسد الذهبي لأفضل فيلم في المسابقة الرسمية.
وبذلك انتقل الفيلم من موقع المنافسة إلى صدارة حصاد فينيسيا 2026، فيما حصلت بطلته Mathilde Arcel على كأس فولبي لأفضل ممثلة عن أدائها في العمل نفسه. ويمنح هذا التكريم المزدوج الفيلم مكانة خاصة في الدورة، إذ جمع بين أهم جوائز الفيلم والتمثيل النسائي في ليلة الختام.
أما May el-Toukhy ، فأصبح فوزها امتداداً لمسار بدأ في السينما الدنماركية قبل أن يتسع دولياً مع Queen of Hearts، ليصل في فينيسيا إلى لحظة الذروة. ووفق حصيلة الدورة، أصبحت ثامن مخرجة في تاريخ المهرجان تفوز بالأسد الذهبي، لتكتسب مشاركتها هذا العام دلالة تتجاوز المنافسة على جائزة واحدة.
وهنا تحديداً تتغير قراءة وجودها في المسابقة: ما بدا في البداية رقماً لافتاً حول تمثيل النساء خلف الكاميرا، انتهى بانتصار فني وضع فيلم مخرجة في المركز الأول للمسابقة الرسمية.
من المسرح إلى السينما

وُلدت مي الطوخي عام 1977، ونشأت في منطقة كوبنهاغن لأم دنماركية وأب مصري. بدأت مسارها الأكاديمي في مجال الفنون المسرحية، وتخرجت من المدرسة الدنماركية الوطنية لفنون الأداء عام 2002، قبل أن تنتقل إلى السينما وتتخرج مخرجةً من المدرسة الوطنية للسينما في الدنمارك عام 2009.
هذا الانتقال من المسرح إلى السينما يفسر جانبًا من اهتمامها بالشخصية والأداء. فمنذ أعمالها المبكرة، لم تتعامل مع الشخصيات بوصفها أدوات لتحريك الحبكة فقط، بل جعلت من تناقضاتها الداخلية محورًا للسرد.
إلى جانب الأفلام، عملت مي الطوخي في الدراما الإذاعية والتلفزيون، وأخرجت حلقات من مسلسلات دنماركية بارزة، بينها The Legacy وRide Upon the Storm.
Long Story Short: البداية الروائية

جاءت انطلاقتها في الأفلام الطويلة عام 2015 مع Long Story Short، وهو عمل شاركت في كتابته مع الكاتبة مارين لويز كاينه، شريكتها المتكررة في الكتابة. الفيلم الكوميدي الرومانسي يتابع مجموعة من الشخصيات وعلاقاتها العاطفية المتشابكة، وقد حصد عددًا من الجوائز الدنماركية، من بينها جوائز “بوديل”.
كانت تلك البداية كافية لتلفت الانتباه إلى مخرجة تمتلك حسًا واضحًا في إدارة الشخصيات والعلاقات، كما أنها كانت تمهيدًا لعمل أكثر جرأة يحدّد موقعها في السينما الأوروبية.
Queen of Hearts: الفيلم الذي وضعها على الخريطة العالمية

في عام 2019، قدمت مي الطوخي فيلمها الثاني Queen of Hearts (Dronningen)، الذي كتبته أيضًا بالتعاون مع مارين لويز كاينه.
تدور القصة حول آن، المحامية الناجحة التي تبدو حياتها العائلية مستقرة، قبل أن يؤدي وصول ابن زوجها المراهق إلى قلب التوازن داخل الأسرة. ومن خلال هذه الحكاية، تطرح المخرجة أسئلة شائكة حول السلطة والرغبة والمسؤولية والحدود الأخلاقية.
لم يمر الفيلم مرورًا عابرًا. فقد فاز بجائزة الجمهور في مسابقة الأفلام الدرامية العالمية في مهرجان «صندانس»، وحصد في مهرجان غوتنبرغ جائزة أفضل فيلم نوردّي وجائزة الجمهور، إضافة إلى جائزة أفضل أداء لترينه ديرهولم. كما حصل على جائزة مجلس الشمال للأفلام لعام 2019، واختير لتمثيل الدنمارك في سباق الأوسكار عن فئة الفيلم الدولي.
كان «Queen of Hearts» نقطة التحول الأساسية في مسيرتها؛ إذ نقل اسم مي الطوخي من دائرة السينما الدنماركية إلى مساحة أوسع من الاهتمام الدولي.
هاجس المرأة والسرّ المخفي
تتكرر في أفلام مي الطوخي شخصيات نسائية تقف أمام خيارات لا يمكن اختزالها في الخير والشر. وهي لا تقدم المرأة بوصفها نموذجًا مثاليًا أو ضحية نمطية، بل تضعها في مواقف تكشف التناقض بين صورتها أمام المجتمع وما تخفيه في الداخل.
وهذا ما يجعل Woman Unknown امتدادًا منطقيًا، وفي الوقت نفسه أكثر تاريخية، لهذا المسار.
في الفيلم الجديد، تعود مي الطوخي إلى تعاونها مع مارين لويز كاينه في كتابة السيناريو، بينما تتولى ماتييلد أرسل دور البطولة. تدور الأحداث في الدنمارك عام 1945، في مرحلة ما بعد الحرب، حول ماري، وهي مربية وخادمة شابة تستعد للزواج من كريستيان، الأرمل الثري الذي تعمل لديه. لكن ماري تخفي سرًا من زمن الحرب، إذ كانت على علاقة بجندي ألماني، ويهدد ماضيها المكانة الجديدة التي تسعى إلى تثبيتها داخل المجتمع.
هنا تتقاطع ثيمات تبدو مألوفة في سينما مي الطوخي : المرأة، السر، الحكم الاجتماعي، والسلطة التي يمارسها المجتمع على الجسد والسمعة. لكن نقل هذه العناصر إلى الدنمارك في نهاية الحرب العالمية الثانية يمنحها بعدًا تاريخيًا وسياسيًا جديدًا.
وبعد فوز الفيلم بالأسد الذهبي، تبدو هذه الثيمات أكثر وضوحاً في قراءة المسار الذي قاد الطوخي إلى فينيسيا؛ فالفيلم الذي اختارت اللجنة تتويجه لا يفصل بين الحكاية الشخصية والأسئلة الاجتماعية، بل يجعل منهما وجهين للقصة نفسها.
Woman Unknown: من الحكاية الشخصية إلى ذاكرة المجتمع
لا يبدو اختيار الطوخي لعام 1945 مجرد خلفية زمنية. فالفيلم يضع شخصية ماري في لحظة تاريخية مضطربة، حين كان المجتمع الدنماركي يعيد ترتيب علاقاته وحدوده بعد الحرب.
وبحسب معهد الفيلم الدنماركي، يركز الفيلم على ماضي ماري الذي يهدد موقعها الجديد، وعلى محاولتها الحفاظ على مكانتها بوصفها سيدة المنزل في حالة الفوضى التي أعقبت الحرب.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الفيلم باعتباره حكاية عن من يملك حق إصدار الحكم على المرأة، ومن يحدد صورتها أمام المجتمع، وما الذي يحدث عندما يصبح الماضي أكثر قوة من الهوية التي بنتها لنفسها.
وهو موضوع ينسجم مع ما أعلنته الطوخي عن رؤيتها للفيلم؛ إذ قالت إنها تريد استكشاف فكرة الجسد الأنثوي بوصفه موضوعًا عامًا يخضع لحكم المجتمع، إلى جانب أثر السر والعار، الفردي والجماعي، على الإنسان.
أول اختبار في سباق الأسد الذهبي
شارك Woman Unknown في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية بدورته الـ83، إلى جانب 19 فيلمًا آخر، في سباق الأسد الذهبي. وتبلغ مدة الفيلم 124 دقيقة وفق البرنامج الرسمي للمهرجان، وهو إنتاج مشترك بين الدنمارك والسويد ولاتفيا.
وتكتسب المشاركة وزنًا إضافيًا لأن مي الطوخي ليست مجرد مخرجة جديدة تدخل المسابقة للمرة الأولى؛ إنها تصل إليها بعد أن أثبت فيلمها السابق قدرته على العبور من السينما المحلية إلى المهرجانات الدولية.
وفي المقابل، فإن وجودها بوصفها المخرجة الوحيدة بين الأفلام العشرين يضع مشاركتها ضمن نقاش أوسع حول حضور النساء خلف الكاميرا في أكبر مهرجانات السينما العالمية. وقد لفتت صحافة السينما الدولية إلى الانخفاض الحاد في تمثيل المخرجات في المسابقة الرئيسية هذا العام.
لكن اختزال الطوخي في هذه الإحصائية وحدها سيكون ظلمًا لتجربتها. فـ«Woman Unknown» يدخل المنافسة أولًا باعتباره فيلمًا جديدًا لمخرجة راكمت خلال أعمالها السابقة اهتمامًا واضحًا بالشخصيات النسائية والحدود الأخلاقية والاجتماعية.
صوت دنماركي بجذور مصرية
تحمل هوية مي الطوخي بعدًا إضافيًا في السياق العربي. فهي مخرجة دنماركية نشأت في الدنمارك لأم دنماركية وأب مصري، ولذلك تظهر تجربتها عند تقاطع أكثر من ثقافة سينمائية وشخصية.
ولا يعني ذلك أن «Woman Unknown» فيلم عربي أو أن موضوعه مرتبط مباشرة بمصر؛ فالفيلم دنماركي في لغته وبيئته وشخصياته وتاريخه. لكن حضور مخرجة ذات أصول مصرية في قلب المسابقة الرسمية يضيف بعدًا مهمًا إلى الخريطة المتنوعة للسينما التي تصل إلى فينيسيا هذا العام.
وقد أشارت تغطية عربية للمهرجان إلى أن الطوخي واحدة من خمسة مخرجين عرب أو ذوي أصول عربية حاضرون في برامج مختلفة من مهرجان البندقية 2026، إلا أنها الوحيدة بينهم التي تخوض المنافسة الرئيسية على الأسد الذهبي كمخرجة.
وبعد فوزها بالأسد الذهبي، تصبح هذه الهوية جزءاً من قصة أوسع عن السينما التي يمكن أن تتحرك بين أكثر من سياق ثقافي، من دون أن تفقد جذورها المحلية.
ما بعد الأسد الذهبي: ماذا يعني فوز May el-Toukhy؟
تكمن أهمية فوز May el-Toukhy في فينيسيا 2026 في المفارقة التي صنعتها الرحلة كاملة. فقد دخلت المخرجة الدنماركية-المصرية المسابقة الرسمية وهي المرأة الوحيدة التي تقود فيلماً بإخراج منفرد ضمن قائمة المنافسة الرئيسية، في دورة أثارت منذ إعلان برنامجها نقاشاً واسعاً حول محدودية حضور النساء خلف الكاميرا. لكن النتيجة لم تأتِ على شكل مشاركة رمزية أو جائزة جانبية؛ بل جاء Woman Unknown في صدارة المسابقة، حاصداً الأسد الذهبي لأفضل فيلم.
وهنا تحديداً تصبح قراءة الفوز أكثر تعقيداً من اختزاله في كونه انتصاراً لامرأة مخرجة. فـMaggie Gyllenhaal، التي ترأست لجنة تحكيم المسابقة، أكدت أن اختيار Woman Unknown لم يكن تكريماً للفيلم لأنه من إخراج امرأة، بل لأن اللجنة رأت فيه عملاً فنياً استثنائياً. وفي الوقت نفسه، لم تتجاهل Gyllenhaal الخلل البنيوي في تمثيل النساء داخل المسابقة، وهو تناقض مهم: يمكن الدفاع عن فوز الفيلم على أساس فني خالص، وفي الوقت نفسه الاعتراف بأن وصول عدد محدود من النساء إلى هذه المنصة ما زال مشكلة تتجاوز مهرجاناً واحداً.
لذلك لا يبدو الأسد الذهبي منفصلاً عن المسار الذي بنته مي الطوخي منذ أعمالها السابقة. ففي Queen of Hearts وضعت امرأة ناجحة أمام شبكة معقدة من السلطة والرغبة والمسؤولية، بينما تنتقل في Woman Unknown إلى سياق تاريخي لتطرح سؤالاً أكثر اتساعاً: من يملك حق تعريف المرأة والحكم عليها، وماذا يحدث عندما يتحول ماضيها إلى ملك للمجتمع أكثر مما هو جزء من قصتها الشخصية؟
ومن هذه الزاوية، يصبح فوز Woman Unknown مهماً لمسيرة الطوخي تحديداً. فهو ليس مجرد اعتراف بفيلم ثالث في مسيرتها الروائية، بل لحظة انتقال من مخرجة ذات حضور دولي لافت إلى صاحبة واحدة من أرفع جوائز السينما العالمية. كما أنه يضع الفيلم في قلب نقاش أوسع حول الطريقة التي تُرى بها قصص النساء، ليس فقط أمام الكاميرا، وإنما أيضاً خلفها.
وربما لهذا تبدو مفارقة فينيسيا 2026 أكثر دلالة من الرقم نفسه: المخرجة التي دخلت المهرجان بوصفها الوحيدة، غادرته بوصفها الفائز