مصدر الصورة: Getty
في سبتمبر 2025، وقفت كوثر بن هنية في مهرجان فينيسيا السينمائي مخرجةً مشاركة في المسابقة الرسمية بفيلم “صوت هند رجب”، وغادرت الدورة الـ82 حاملة الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم. وبعد عام واحد فقط، تعود المخرجة التونسية إلى جزيرة الليدو في موقع مختلف تمامًا: عضوة في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا 2026.
هذه المرة، لن تكون بن هنية بين المتنافسين على الجوائز، بل بين الشخصيات التي ستشارك في تحديد أصحابها، رغم غياب المنافسة العربية هذا العام عن المسابقة الرسمية.
وبالطبع ليس من المستغرب أن تكون بن هنية إحدى المخرجات العربيات اللواتي حققنّ ثورة في صناعة السينما العربية.
عام واحد بين الجائزة والتحكيم
تكمن خصوصية هذه العودة في سرعتها. ففي الدورة الـ82، كانت بن هنية صاحبة أحد أبرز أفلام المسابقة، “صوت هند رجب”، الذي فاز بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم. وفي الدورة التالية، أصبحت جزءًا من اللجنة التي ستقرر مصير الأفلام المتنافسة على الجوائز نفسها.
ولا يأتي هذا الاختيار من فراغ. فالمسار السينمائي لكوثر بن هنية جمع بين الوثائقي والروائي، وبين القضايا الاجتماعية والأسئلة السياسية، وطوّر تدريجيًا لغة تقوم على الاقتراب من الواقع مع إعادة التفكير في الطريقة التي تُروى بها قصصه.
من تونس إلى السينما الدولية
درست كوثر بن هنية السينما في تونس ثم تابعت دراستها في باريس في La Fémis وجامعة السوربون الجديدة. بدأت بالأفلام القصيرة، قبل أن تنتقل إلى الأفلام الطويلة عام 2014 مع “شكّات تونس” (The Challat of Tunis)، ثم واصلت مسارها مع أعمال وثائقية وروائية جعلت اسمها حاضرًا في المهرجانات الدولية.
في “على كف عفريت” (Beauty and the Dogs)، الذي شارك في قسم «نظرة ما» في كان عام 2017، ركزت على رحلة امرأة تونسية شابة في مواجهة العنف والعوائق التي تحول دون حصولها على العدالة. وكان الفيلم محطة مهمة في حضورها الدولي.
بعد ذلك، جاء “الرجل الذي باع ظهره” (The Man Who Sold His Skin)، الذي شارك في قسم «آفاق» في فينيسيا عام 2020، حيث فاز بطله يحيى مهايني بجائزة أفضل ممثل. كما حصل الفيلم على ترشيح للأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي.
“بنات ألفة”: إعادة التفكير في شكل الحكاية
في 2023، وصلت بن هنية إلى المسابقة الرسمية في مهرجان كان مع “بنات ألفة” (Four Daughters)، العمل الذي مزج الوثائقي بالدراما، واستكشف قصة عائلة تونسية من خلال تداخل الشخصيات الحقيقية مع الأداء التمثيلي.
فاز الفيلم بجائزة العين الذهبية (L’Œil d’Or) في كان، وحصل لاحقًا على ترشيح للأوسكار عن فئة أفضل فيلم وثائقي. وأصبح هذا العمل محطة إضافية في تطور أسلوب بن هنية الذي لا يفصل بسهولة بين الواقع وإعادة بناء الواقع على الشاشة.
“صوت هند رجب”: المحطة التي أعادت تعريف حضورها في فينيسيا
جاءت النقلة الأبرز في 2025 مع “صوت هند رجب”، الذي اختير للمسابقة الرسمية في الدورة الـ82 من مهرجان فينيسيا. الفيلم، وهو إنتاج تونسي-فرنسي، ركز على قصة هند رجب وعلى صوتها خلال محاولات الوصول إليها، وجاء باللغة العربية.
وفي ختام الدورة، منحت لجنة التحكيم الفيلم الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، لتصبح الجائزة واحدة من أهم المحطات في مسيرة بن هنية الدولية. كما حصل الفيلم لاحقًا على ترشيح للأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي.
لكن أهمية الفيلم بالنسبة إلى هذه القصة لا تتوقف عند الجائزة. فقد أصبح نقطة الانتقال التي يمكن من خلالها قراءة عودة بن هنية إلى فينيسيا في 2026: من مخرجة تعرض فيلمها في المسابقة إلى سينمائية تشارك في تقييم الأفلام التي تتنافس على الجوائز.
خبرة سابقة في لجان التحكيم
ليست لجنة فينيسيا 2026 أول تجربة لبن هنية في العمل التحكيمي داخل مهرجان سينمائي كبير. ففي 2021، كانت عضوًا في لجنة سينيفونداسيون والأفلام القصيرة في مهرجان كان، وهي اللجنة التي منحت جوائز سينيفونداسيون، كما شاركت في اختيار الفائز بالسعفة الذهبية للأفلام القصيرة.
وبذلك، فإن انتقالها إلى لجنة المسابقة الرسمية في فينيسيا لا يمثل دخولها الأول إلى الجانب التحكيمي من المهرجانات الكبرى، بل يمثل ارتقاءً واضحًا في مستوى المسؤولية، وامتدادًا لمسار بدأ يتجاوز صناعة الأفلام إلى المشاركة في تقييم التجارب السينمائية الجديدة.
من الفيلم الفائز إلى طاولة القرار
اختيار كوثر بن هنية للجنة تحكيم فينيسيا 2026 يختصر جانبًا مهمًا من تطور مكانتها في السينما الدولية. فهي تصل إلى هذه المهمة بعد تجربة جمعت بين الوثائقي والروائي، وبين الإنتاج التونسي والشراكات الدولية، وبين الحضور في كان وفينيسيا والوصول إلى الأوسكار. وهو تحديدًا ما أشارت إليه السيرة الرسمية للمهرجان، التي وصفت تجربتها بأنها تتحرك بين الخيال والوثائقي، مع اهتمام بقضايا السلطة والظلم والموقع الهش للفرد أمام الأنظمة القمعية.
واللافت أن فينيسيا نفسها أصبحت جزءًا أساسيًا من هذا المسار. ففي 2020، وصل “الرجل الذي باع ظهره” إلى قسم “آفاق”، وفي 2025 دخل “صوت هند رجب” المسابقة الرسمية وفاز بالأسد الفضي. أما في 2026، فتعود بن هنية إلى المهرجان من موقع ثالث: موقع صانعة القرار داخل لجنة المسابقة.
فينيسيا 2026: فصل جديد في مسيرة كوثر بن هنية
بين فينيسيا 2025 وفينيسيا 2026، لم يتغير مكان كوثر بن هنية في المهرجان فحسب، بل تغير دورها فيه بالكامل.
قبل عام، كانت تنتظر مع فيلمها “صوت هند رجب” قرار لجنة التحكيم. هذا العام، ستجلس إلى جانب أعضاء اللجنة برئاسة ماغي جيلنهال لتشارك في اتخاذ القرار.
وهنا تكمن القصة الأهم في عودتها إلى جزيرة الليدو في البندقية: عام واحد يفصل بين كوثر بن هنية صاحبة الأسد الفضي وكوثر بن هنية عضوة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية.
إنها نقلة تختصر مسيرة مخرجة تونسية استطاعت، عبر أفلامها، أن تنتقل من سرد قصص محلية إلى حضور فاعل في واحدة من أهم مؤسسات السينما العالمية؛ ليس فقط باعتبارها صانعة أفلام، بل بوصفها أيضًا سينمائية يُستعان بخبرتها للمشاركة في اختيار الأفلام والجوائز التي تصنع جزءًا من تاريخ المهرجان.
إقرأ أيضًا:
السينما العربية في مهرجان البندقية 2026: حضور لافت خارج المسابقة الرسمية
جزيرة الليدو في البندقية: الوجه الهادئ خلف صخب السجادة الحمراء