مصدر الصورة: حساب Arwa the Brand على إنستغرام
ليست الهوية شيئًا يُرتدى فحسب. أحيانًا تسكن في طريقة اختيار القماش، وفي تفاصيل الحرفة، وفي قصّة تعيد تعريف قطعة مألوفة، أو في قرار مصمم بأن ينظر إلى إرثه من موقع الحاضر لا من خارجه.
ومن هذه الزاوية، يبدو شعار اليوم الوطني السعودي 2026، «عزّنا بطبعنا»، أكثر من عبارة احتفالية. فالهوية الرسمية لهذا العام تستند إلى ست قيم تصفها بأنها من الطباع الأصيلة في المجتمع السعودي: الشجاعة، والرؤية، والأصالة، والهمّة، والجود، والكرم. كما تنعكس هذه الهوية بصريًا من خلال الخط الهندسي والزخارف المستوحاة من فنون النسيج التقليدي في المملكة.
وفي الموضة، يمكن قراءة هذه القيم بطريقة مختلفة: باعتبارها ستة مداخل لفهم المشهد السعودي المعاصر؛ مشهد لا يكتفي باستعادة التراث، بل يعيد صياغته، ويضع الحرفة في حوار مع التصميم، ويفتح للهوية المحلية مساحة على خريطة الأزياء العالمية.
عزّنا بشجاعتنا: الجرأة على ابتكار لغة خاصة
الشجاعة في الموضة ليست بالضرورة في الإطلالة الأكثر لفتًا للأنظار. قد تكون في أن يختار المصمم أن يبدأ من بيئته، ثم يعيد صياغتها بطريقته الخاصة.
وهذا ما يمكن رصده في تجارب عدد من المصممين السعوديين الذين لا يتعاملون مع الهوية باعتبارها قالبًا ثابتًا. في تجربة أروى البناوي Arwa Al Banawi، مثلًا، ظهرت في مجموعاتها الحديثة إشارات إلى الرياض والبيئة المحلية، من خلال الألوان والطبقات والقصّات المحتشمة، لكن ضمن لغة معاصرة لا تستنسخ الزي التقليدي. وفي مجموعتها في 2025، استلهمت المصممة أجواء غروب الرياض، فيما أعادت تقديم بعض الرموز التصميمية السعودية عبر نسب وخامات حديثة.
أما KML، التي أسسها الشقيقان السعوديان أحمد ورزان حسن، فتذهب إلى مساحة أكثر تجريبًا. فقد أعادت العلامة التفكير في عناصر من الملابس السعودية الاحتفالية ضمن تصاميم معاصرة، فيما ظهرت في إحدى مجموعاتها تفسيرات هجينة للثوب العربي، مع تأثيرات من الكيمونو الياباني وقصّات غير تقليدية.
هنا تصبح الشجاعة فعلًا إبداعيًا: أن تنطلق من هوية واضحة من دون أن تسمح لها بأن تحدّ من الخيال.
عزّنا برؤيتنا: التراث لا يقف في طريق المستقبل
تحتاج الموضة إلى ذاكرة، لكنها تحتاج أيضًا إلى رؤية.
وهذا التوازن بين الماضي والمستقبل بات أحد الملامح المهمة في تطور قطاع الأزياء السعودي. وتشير تقارير هيئة الأزياء إلى أن عددًا من المصممين المحليين يعملون على إبقاء الثقافة السعودية حاضرة في أعمالهم، لكن من خلال تصاميم وتقنيات تستجيب للقرن الحادي والعشرين، فيما أسهم برنامج Saudi 100 Brands في توفير التدريب والإرشاد وإتاحة فرص الظهور الدولي للمواهب والعلامات المحلية.
ومن الأسماء التي تجسد هذه العلاقة علامة نورا سليمان Noura Sulaiman التي تتخذ من الرياض مقرًا لها فهي تصف فلسفتها بأنها تقوم على الموازنة بين الماضي والحاضر، وتحويل القيم والتقاليد السعودية إلى لغة معاصرة من خلال قطع نسائية ورجالية ذات طابع هادئ ومدروس. كما تصف المصممة قطعها بأنها أعمال ذات بناء معماري، وتُنجز في أتيليهات في الرياض وأوروبا.
في هذه القراءة، لا تعني الرؤية التخلي عن الذاكرة، بل إعادة تخيل ما يمكن أن تصبح عليه.
عزّنا بأصالتنا: حين تتحول الذاكرة إلى تصميم
الأصالة ليست إعادة إنتاج الماضي كما هو.
في الموضة المعاصرة، يمكن أن تظهر في تفصيل صغير، أو تقنية حرفية، أو علاقة بالخامة، أو في قصة مرتبطة بمكان بعينه. وهذا ما يجعل التراث السعودي مادة غنية للمصممين، خصوصًا في بلد تتنوع فيه البيئات والثقافات المحلية من منطقة إلى أخرى.
تجربة Rebirth، التي أسستها المصممة السعودية تالا أبو خالد، تقدم مثالًا واضحًا على هذا النوع من الحوار. فالمواد الخام وتقنيات العمل اليدوي تحتل موقعًا مركزيًا في العلامة، بينما تستلهم بعض التفاصيل من عناصر البيئة السعودية؛ إذ تشير المصممة إلى استخدام الرافيا المستوحى من سعف النخيل، وإلى تفاصيل الشرّابات التي تستحضر حركة عرف الحصان العربي.
أما HINDAMME، التي يقودها المصمم السعودي محمد خوجة، فتقدم قراءة مختلفة للهوية. فالعلامة، بحسب تعريفها الرسمي، تقوم على دمج عناصر من الشرق والغرب، مع إعادة صياغة هوية المصمم وثقافته بطريقة مستقبلية ومعاصرة. وفي مجموعات حديثة، استعاد خوجة مراجع مرتبطة بالحجاز وذاكرة جدة والمدينة ضمن أشكال ومواد أكثر حداثة.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الأصالة: ألا يبقى التراث محفوظًا في الذاكرة فقط، بل يجد طريقه إلى الحاضر.
عزّنا بهمّتنا: من الموهبة إلى صناعة
تظهر الهمّة أيضًا في انتقال الموضة السعودية من المبادرات المحلية إلى منصات الأزياء الدولية. ففي يونيو 2025، عاد برنامج Saudi 100 Brands إلى باريس ضمن تعاون مع Tranoï، حيث استضافت صالة عرض خاصة في متجر La Samaritaine أحد عشر مصممًا سعوديًا قدموا مجموعات ربيع وصيف 2026، من بينهم 1886 وAwaken وEleven وHajruss وMirai وRBA وRazan Alazzouni وRebirth وReem Alkanhal وWaad Aloqaili وYasmina Q. وجاءت المشاركة خلال أسبوع الموضة الرجالية في باريس، في خطوة وفّرت للمواهب السعودية منصة مباشرة أمام المتخصصين في السوق العالمية.
ولا تأتي هذه المشاركة بمعزل عن مسار بدأ قبل ذلك؛ إذ يشير تقرير حالة قطاع الأزياء السعودي إلى أن علامات مختارة من برنامج Saudi 100 Brands ظهرت في فعاليات دولية من بينها أسابيع الموضة في باريس وميلانو ونيويورك، إضافة إلى Paris Couture Week وWhite Milano وMexico Fashion Week.
هنا تأخذ الهمّة معنى يتجاوز طموح المصمم الفردي: إنها محاولة لبناء منظومة تمنح الموهبة السعودية فرصة للتطور، ثم اختبار حضورها في الأسواق والمنصات العالمية.
عزّنا بجودنا: قيمة الوقت الذي تمنحه الحرفة للقطعة
في زمن السرعة، يصبح العمل اليدوي موقفًا بحد ذاته.
والجود، عند قراءته من خلال الموضة، يمكن أن يرتبط بقيمة ما يُمنح للقطعة من وقت وعناية ومهارة؛ باليد التي تنفذ التفاصيل، وبالخامة التي تُختار بعناية، وبالتقنية التي لا يمكن اختصارها في الإنتاج السريع.
في تجربة Rebirth، توضع الحرفة اليدوية في صميم التصميم، مع تفاصيل مصنوعة يدويًا ومواد خام تمنح القطعة ملمسها وشخصيتها. وتربط تالا أبو خالد هذا النهج بفكرة الحفاظ على عناصر من الثقافة السعودية ضمن أشكال جديدة.
وفي السياق الأوسع، يشير تقرير هيئة الأزياء السعودية إلى وجود اهتمام متزايد لدى المصممين المحليين بدمج عناصر من التراث السعودي في تصميمات معاصرة، مع تطوير المهارات المحلية في التصميم والحرف المرتبطة بالقطاع.
وهكذا تصبح قيمة القطعة مرتبطة بما وراء مظهرها: بالوقت والخبرة والقصة التي تحملها.
عزّنا بكرمنا: حين تصبح الموضة مساحة للمشاركة
الكرم في الثقافة السعودية لا يعيش بعيدًا عن المناسبات الاجتماعية، والموضة بدورها لا تنفصل عن المناسبات التي تُرتدى فيها.
فالملابس الاحتفالية، والعبايات، والأزياء المسائية، والقطع التي تُختار للمناسبات الخاصة، كلها تدخل في منظومة اجتماعية أوسع؛ حيث لا تكون الملابس مجرد تعبير فردي، وإنما جزءًا من لحظة مشتركة.
ومن هنا يمكن فهم تطور الأزياء السعودية المعاصرة بوصفه جزءًا من تحول ثقافي أكبر: التصميم يدخل إلى الحياة اليومية، والمناسبات تمنح القطعة معناها، والمصمم يحول عناصر من الذاكرة المحلية إلى شيء يمكن ارتداؤه والاحتفاء به ومشاركته.
وتظهر هذه العلاقة في تجارب علامات سعودية عدة. فـAbadia، التي أسستها شهد الشهيل، تمزج بين الخياطة المعاصرة والرفاهية العملية، بينما تقدم Noura Sulaiman رؤية أكثر هدوءًا للملابس النسائية والرجالية تستند إلى قيم الأناقة السعودية وإعادة تفسيرها معاصرًا. وقد أدرجت كلتا العلامتين ضمن المشهد السعودي المعاصر الذي يحظى بحضور إقليمي ودولي.
في هذه المساحة، تصبح الموضة جزءًا من ثقافة الاحتفاء نفسها: قطعة تُصنع لشخص، وترتبط بمناسبة، وتحمل في تفاصيلها شيئًا من المكان.
من «عزّنا بطبعنا» إلى لغة أزياء سعودية
ربما لا تحتاج الهوية السعودية إلى ترجمة حرفية في الموضة.
لا تحتاج إلى أن تكون كل قطعة خضراء، أو أن تحمل نقشًا تراثيًا واضحًا، أو أن تعيد إنتاج الزي التقليدي كي تقول إنها سعودية.
قد تكون الهوية في جرأة Arwa Al Banawi، وفي الحوار بين الثقافات الذي تنسجه KML، وفي علاقة Noura Sulaiman الهادئة بالتقاليد السعودية، وفي اهتمام Rebirth بالحرفة والمواد، وفي إعادة قراءة الذاكرة الحجازية لدى HINDAMME، وفي الطموح الذي يدفع جيلًا كاملًا من المصممين إلى بناء حضور عالمي.
وبذلك تصبح القيم الست أكثر من عبارات مرتبطة بمناسبة وطنية.
وفي النهاية، ربما تكون أجمل ترجمة لـ«عزّنا بطبعنا» في الموضة هي أن الهوية لا تُرتدى كرمز جاهز؛ بل تُصاغ، وتُعاش، وتتطور مع كل جيل.
أسئلة شائعة:
ما شعار اليوم الوطني السعودي 2026؟
شعار اليوم الوطني السعودي 2026 هو «عزّنا بطبعنا»، ويستند إلى مجموعة من القيم المرتبطة بالهوية السعودية، من بينها الشجاعة والرؤية والأصالة والهمّة والجود والكرم.
كيف تعكس الموضة الهوية السعودية؟
تعكس الموضة السعودية الهوية من خلال إعادة تفسير عناصر التراث والحرفة والخامات والتفاصيل المحلية ضمن تصميمات معاصرة، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج الأزياء التقليدية.
من أبرز المصممين السعوديين المعاصرين؟
يضم المشهد السعودي أسماء وعلامات متعددة، من بينها Arwa Al Banawi وKML وNoura Sulaiman وRebirth وHINDAMME وAbadia، إلى جانب أسماء أخرى تشارك في تطوير مشهد الأزياء السعودي.
ما برنامج Saudi 100 Brands؟
هو برنامج أطلقته هيئة الأزياء السعودية لدعم المصممين والعلامات السعودية وتطوير حضورهم المهني محليًا ودوليًا.
إقرأ أيضًا:
هيفاء المنصور شخصية التكريم في مهرجان أفلام السعودية 2026
منتجعات البحر الأحمر السعودية: تجربة فريدة بين رفاهية المنتجعات وسحر المحميات