مصدر الصورة: حساب مهرجان البندقية السينمائي على إنستغرام
قبل أيام من انطلاق مهرجان البندقية السينمائي 2026، الذي يشكّل كذلك انطلاق الموسم الخريفي من مهرجانات الأفلام العالمية، تبرز مفارقة لافتة في أحد أهم أقسام الحدث. فثلاث مخرجات سيجلسن على طاولة لجنة التحكيم الدولية للمشاركة في اختيار الفيلم الفائز بالأسد الذهبي، بينما تقتصر قائمة الأفلام المتنافسة في المسابقة الرسمية على عمل واحد فقط من إخراج امرأة.
تفتتح الدورة الثالثة والثمانون من مهرجان البندقية السينمائي، الذي يُشار إليه أيضًا باسم مهرجان فينيسيا السينمائي Venice Film Festival، بين 2 و12 سبتمبر 2026، وفي الوقت الذي يعكس فيه تشكيل لجنة التحكيم حضورًا نسائيًا بارزًا، تكشف قائمة المنافسة الرئيسية عن تمثيل محدود للغاية للمخرجات. وبين موقع اتخاذ القرار وموقع المنافسة، تطرح هذه الصورة سؤالًا أوسع حول موقع النساء داخل السينما العالمية ووصول أعمالهن إلى أكبر منصات المهرجانات.
ثلاث مخرجات في لجنة تحكيم مهرجان البندقية 2026
تترأس المخرجة والممثلة الأميركية Maggie Gyllenhaal ماغي جيلنهال لجنة التحكيم الدولية لمسابقة «فينيسيا 83»، التي تضم سبعة أعضاء. وتنضم إليها المخرجة وكاتبة السيناريو التونسية Kaouther Ben Hania كوثر بن هنية، وهي واحدة من أبرز المخرجات العربيات اللواتي حققن ثورة في صناعة السينما العربية، إلى جانب المخرجة والكاتبة الأفغانية Shahrbanoo Sadat شهر بانو سادات.
وبذلك تشكل المخرجات ثلاث عضوات من أصل سبعة أعضاء في اللجنة الدولية، في حضور لا يقتصر على الجانب الرمزي. إذ تتولى اللجنة منح أهم جوائز المهرجان، وفي مقدمتها الأسد الذهبي لأفضل فيلم، إلى جانب جائزة لجنة التحكيم الكبرى وجائزة أفضل مخرج وغيرها من الجوائز الرسمية.
واللافت هنا أن هذا الحضور لا يتعلق بالعدد وحده، بل بتنوع التجارب التي تمثلها هؤلاء السينمائيات. فجلينهال تنتمي إلى السينما الأميركية، فيما تمثل كوثر بن هنية تجربة سينمائية تونسية وعربية ذات حضور دولي متزايد، بينما تحمل شهر بانو سادات تجربة مختلفة تشكلت بين السينما الأفغانية والمشهد السينمائي العالمي.
لكن هذه الصورة تتغير بشكل واضح عند الانتقال من هيئة التحكيم إلى قائمة الأفلام التي ستتنافس على الجائزة نفسها.
مخرجة واحدة فقط في المسابقة الرسمية على الأسد الذهبي
تضم مسابقة «فينيسيا 83» الرسمية عشرين فيلمًا، لكن الفيلم الوحيد الذي يحمل توقيع مخرجة هو Woman Unknown أو Kvinde Ukendt، للمخرجة الدنماركية ذات الأصول المصرية ماي إل-توخي.
وبذلك تمثل إل-توخي الاستثناء النسائي الوحيد بين الأفلام المتنافسة على الأسد الذهبي هذا العام. وإذا احتسبنا النسبة، فإن فيلمًا واحدًا من أصل عشرين يعني أن الأفلام التي أخرجتها نساء تمثل 5في المئة فقط من قائمة المنافسة الرئيسية.
وهنا تظهر المفارقة التي تمنح دورة 2026 زاوية مختلفة للنقاش: ثلاث مخرجات يشاركن في تقييم الأفلام واختيار الفائزين، بينما مخرجة واحدة فقط تدخل المنافسة على الجائزة الأهم.
ويمكنكم الاطلاع على نتائج جوائز الدورة الماضية من المهرجان من خلال موضوع: الفيلم التونسي صوت هند رجب يفوز بالأسد الفضي في مهرجان فينيسيا السينمائي 2025
من ست مخرجات إلى واحدة.. ماذا تغير بين 2025 و2026؟
تبدو الصورة أكثر وضوحًا عند مقارنتها بالدورة السابقة. فوفق التغطيات التي رافقت الإعلان عن برنامج 2026، شهدت مسابقة عام 2025 حضور ست مخرجات في المنافسة الرئيسية، قبل أن ينخفض العدد هذا العام إلى مخرجة واحدة فقط.
لكن هذا التراجع لا يكفي وحده للقول إن حضور النساء في المهرجان يسير في اتجاه ثابت إلى الخلف. فاختيارات المهرجانات تختلف من دورة إلى أخرى، كما تختلف طبيعة الأفلام المتاحة وعدد المشاريع التي تصل إلى المرحلة النهائية من الاختيار.
ومع ذلك، فإن الانتقال من ست مخرجات إلى واحدة يثير سؤالًا مشروعًا حول مدى استقرار التقدم الذي حققته النساء في المهرجانات الكبرى: هل تعكس الزيادة في بعض السنوات تحولًا مستدامًا، أم أن حضور المخرجات لا يزال عرضة لتقلبات كبيرة من دورة إلى أخرى؟
ولا تأتي مسألة تمثيل المخرجات في المهرجانات الكبرى للمرة الأولى؛ فقد ظهرت نقاشات مماثلة حول حضور النساء في مسابقات دولية أخرى، ومنها مهرجان كان بدورته الـ78، حيث ضم قسم «نظرة ما» خمسة أفلام من إخراج مخرجات.
بين التحكيم والمنافسة.. مفارقة الحضور النسائي
لا ينبغي قراءة هذا التباين باعتباره تناقضًا في آلية عمل مهرجان البندقية السينمائي 2026. فاختيار الأفلام للمسابقة الرسمية يتم قبل أن تبدأ لجنة التحكيم عملها، ولا تشارك الهيئة التي تمنح الجوائز في اختيار الأفلام المتنافسة.
لكن المفارقة تظل قوية من الناحية الرمزية. فالنساء حاضرات بوضوح نسبيًا في واحدة من أكثر طاولات القرار أهمية في المهرجان، بينما يظهر حضورهن بشكل محدود جدًا بين صانعي الأفلام المتنافسين على الجائزة الكبرى.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا فقط بعدد المخرجات، بل بشكل الحضور نفسه.هل أصبح حضور النساء أكثر رسوخًا في مواقع التقييم والاعتراف، بينما لا يزال الوصول إلى المساحة الأكثر تنافسية في السينما العالمية أكثر صعوبة؟
قبل الوصول إلى البندقية.. أين تبدأ الفجوة؟
لا تبدأ قصة أي فيلم عند بوابات مهرجان البندقية. فقبل الوصول إلى المسابقة الرسمية، يمر المشروع برحلة طويلة تشمل تطوير الفكرة وكتابة السيناريو والحصول على التمويل، ثم الإنتاج والتوزيع والمبيعات الدولية وبناء العلاقات المهنية.
ولهذا، لا يمكن اختزال وجود مخرجة واحدة في قائمة المنافسة بقرار برمجي واحد أو اعتبار المهرجان وحده مسؤولًا عن الصورة النهائية. وقد دافع المدير الفني ألبرتو باربيرا عن اختيارات دورة 2026، مشيرًا إلى أن محدودية حضور المخرجات ترتبط، من وجهة نظره، بعوائق هيكلية أوسع في الصناعة، من بينها الوصول إلى التمويل والفرص.
لكن المهرجانات الكبرى ليست مجرد مرآة تعكس ما يحدث في الصناعة. فالاختيار ضمن المسابقة الرسمية يمنح الفيلم مساحة استثنائية من الاهتمام النقدي والإعلامي، ويفتح أمامه فرصًا أوسع للتوزيع والمبيعات الدولية والجوائز.
وهذا يعني أن المهرجان، حتى عندما يعكس واقعًا موجودًا مسبقًا، يشارك أيضًا في تشكيل ما سيصبح جزءًا من المشهد السينمائي العالمي.
هل يكفي حضور النساء في مواقع اتخاذ القرار؟
تكشف دورة 2026 من مهرجان البندقية عن صورة مزدوجة للحضور النسائي. فمن جهة، تقود ماغي جيلنهال لجنة تحكيم تضم كوثر بن هنية وشهر بانو سادات، في تركيبة تجمع مخرجات من خلفيات سينمائية وجغرافية مختلفة. ومن جهة أخرى، تقف ماي إل-توخي وحدها ممثلة للمخرجات داخل المنافسة الرسمية على الأسد الذهبي.
وربما تكمن أهمية هذه المفارقة في أنها تتجاوز السؤال التقليدي: كم عدد النساء؟
فالسؤال الأكثر تعقيدًا هو: أين يظهر حضورهن داخل المنظومة السينمائية؟
الوصول إلى لجنة التحكيم يمثل اعترافًا واضحًا بالمكانة والخبرة والتأثير، لكنه لا يلغي سؤال الوصول إلى المنافسة نفسها. وبينما يشكل وجود ثلاث مخرجات في هيئة التحكيم خطوة مهمة في تمثيل الأصوات النسائية داخل موقع اتخاذ القرار، يكشف وجود مخرجة واحدة فقط بين الأفلام المتنافسة أن الطريق إلى أهم منصة للمنافسة لا يزال أقل اتساعًا.
مهرجان البندقية 2026 أمام سؤال التمثيل
في النهاية، لا تختصر قضية المخرجات في مهرجان البندقية 2026 في نسبة مئوية أو رقم واحد. لكنها تقدم صورة مكثفة عن تعقيد العلاقة بين التقدم الذي تحقق في بعض مواقع الصناعة، والفجوات التي لا تزال قائمة في مواقع أخرى.
في هذه الدورة، ستكون ثلاث مخرجات بين من يشاركن في تحديد الفيلم الفائز بالأسد الذهبي، فيما ستكون مخرجة واحدة فقط بين من يتنافسون على الفوز به.
وبين الرقمين، يطرح مهرجان البندقية سؤالًا يتجاوز دورته الثالثة والثمانين: هل يكفي أن تصل النساء إلى طاولات اتخاذ القرار، أم أن التغيير الحقيقي يجب أن يقاس أيضًا بعدد الأصوات النسائية التي تصل أعمالها إلى المنافسة؟
ربما لن تقدم البندقية 2026 إجابة نهائية عن هذا السؤال، لكنها تضعه بوضوح في قلب النقاش السينمائي: ثلاث مخرجات سيشاركن في اختيار الفائز، بينما تدخل مخرجة واحدة فقط السباق للفوز.
إقرأ أيضًا:
مهرجانات السينما العالمية 2026: سبتمبر يرسم ملامح موسم الجوائز والسينما العالمية
أجمل إطلالات النجمات في مهرجان فينيسيا السينمائي 2026
ديور تتألق على السجادة الحمراء في مهرجان البندقية 2025: إطلالات فاخرة وسحر لا يُقاوم
تألق النجوم على السجادة الحمراء: أجمل إطلالات مهرجان البندقية السينمائي لعام 2025