مصدر الصورة: حساب مهرجان الجونة السينمائي على إنستغرام
من تكريم منى زكي إلى تتويج فيلم “خروج آمن” بالجائزة الكبرى، مرورًا بالحضور العربي اللافت وإطلالات السجادة الحمراء، جمعت الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي بين الاحتفاء بالفن السابع والنجومية والأناقة على ساحل البحر الأحمر.
على مدى تسعة أيام، من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، تحوّلت مدينة الجونة المصرية إلى ملتقى لصنّاع السينما والنجوم والمهتمين بالثقافة والموضة، مع انطلاق الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي تحت شعار “سينما من أجل الإنسانية”. وقدّمت الدورة برنامجًا متنوعًا من الأفلام العربية والعالمية، إلى جانب اللقاءات المهنية والحوارات التي ناقشت واقع الصناعة السينمائية ومستقبلها، وصولاً إلى حفل الختام الذي كشف عن أبرز الأعمال المتوّجة بجوائز المهرجان.
ولم يقتصر الاهتمام على الشاشة الكبيرة، إذ حافظت السجادة الحمراء على مكانتها بوصفها مساحة تلتقي فيها السينما بالأناقة، وتتحول فيها إطلالات النجوم إلى جزء من المشهد العام للمهرجان.
منى زكي تتصدر مشهد التكريمات
شكّل تكريم الممثلة المصرية منى زكي إحدى أبرز محطات الدورة التاسعة، إذ نالت جائزة الإنجاز الإبداعي تقديرًا لمسيرتها الفنية وإسهاماتها في السينما المصرية والعربية. وجاء هذا التكريم احتفاءً بتجربة امتدت عبر سنوات، استطاعت خلالها أن تجمع بين الحضور الجماهيري والأدوار التي تتطلب أداءً تمثيليًا متنوعًا.
وتحمل هذه المحطة أهمية تتجاوز الاحتفاء بنجمة صاحبة رصيد سينمائي بارز، لتسلّط الضوء على دور المهرجانات في تقدير التجارب الفنية التي أسهمت في تشكيل ملامح السينما العربية المعاصرة.
أفلام تتجاوز الشاشة إلى القضايا الإنسانية
كان شعار “سينما من أجل الإنسانية” حاضرًا في روح الدورة وبرنامجها، مع أعمال تناولت تجارب إنسانية واجتماعية مختلفة، وأعادت التأكيد على قدرة السينما على توثيق الواقع وطرح الأسئلة الصعبة.
ومن بين أبرز الأعمال التي استقطبت الاهتمام فيلم “خروج آمن” للمخرج المصري محمد حماد، الذي فاز بجائزة نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل. ويتناول العمل قصة شاب قبطي يعمل حارس أمن في القاهرة، ويواجه آثار صدمة تعود إلى طفولته، في معالجة نفسية واجتماعية تضع التجربة الفردية في سياق أوسع.
كما برز الفيلم الوثائقي “المواطن أسامة” للمخرج أحمد حسونة، الذي حصد جائزتي أفضل فيلم وثائقي طويل وأفضل فيلم وثائقي عربي، موثقًا تجربة إنسانية مرتبطة بالحرب في غزة. ويعكس هذا التتويج حضور القصص الفلسطينية في حصاد الدورة، وقدرتها على الوصول إلى الجمهور من خلال السرد السينمائي.
“بومة” يمنح ركين سعد جائزة أفضل ممثلة
حظي الأداء التمثيلي أيضاً بمكانة بارزة في نتائج المهرجان، إذ فازت الممثلة الأردنية ركين سعد بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم “بومة”، من إخراج زيد أبو حمدان.
وجاء الفوز ليضيف محطة جديدة إلى مسيرة ركين سعد، التي تواصل ترسيخ حضورها في الأعمال العربية، مع اختيار أدوار تتيح لها استكشاف شخصيات وتجارب مختلفة. كما سلطت الجائزة الضوء على أهمية الأداء التمثيلي في منح الحكايات السينمائية عمقها وتأثيرها، خصوصاً في الأعمال التي تتطلب استعداداً خاصاً للشخصية.
وفي فئة أفضل ممثل، فاز جوفان جينيك عن دوره في فيلم “بعد ثلاثة أسابيع” للمخرج ميروسلاف تيرزيتش، في نتيجة عكست تنوع التجارب التي احتفت بها لجنة التحكيم.
السينما العربية في صدارة الجوائز
لم يقتصر الحضور العربي على المشاركة في المسابقات، بل امتد إلى النتائج النهائية التي أبرزت تنوع الإنتاجات السينمائية في المنطقة.
فإلى جانب فوز «خروج آمن» بالجائزة الكبرى للأفلام الروائية الطويلة، نال فيلم “البارح العين ما نامت” للمخرج راكان مياسي جائزة أفضل فيلم روائي عربي طويل.
أما “المواطن أسامة”، فجمع بين جائزتي أفضل فيلم وثائقي طويل وأفضل فيلم وثائقي عربي، في إنجاز يعكس قوة حضوره ضمن المسابقة.
وفي مسابقة الأفلام القصيرة، فاز فيلم “ذكريات مسروقة” للمخرج أندرس دافيدسن بجائزة نجمة الجونة الذهبية، فيما نال فيلم “يوماً ما، وُلد” للمخرجة اللبنانية ماري روز أسطا جائزة أفضل فيلم عربي قصير.
وتؤكد هذه النتائج تنوع المشهد السينمائي العربي، بين الأفلام الروائية التي تستكشف التجارب الفردية والاجتماعية، والأعمال الوثائقية التي تسجل أحداثًا واقعية، والأفلام القصيرة التي تعتمد على تكثيف الحكاية والتجربة البصرية.
فوزي بنسعيدي في دائرة الضوء
شهد حفل الختام تكريم المخرج والممثل المغربي فوزي بنسعيدي بجائزة الإنجاز الإبداعي، تقديرًا لمسيرته وإسهاماته في السينما العربية. وقد قدّم المخرج يسري نصر الله الجائزة، في لحظة احتفت بتجربة سينمائية جمعت بين التمثيل والإخراج والكتابة.
ويأتي هذا التكريم مكمّلاً للاحتفاء الذي شهدته الدورة مع تكريم منى زكي، ليؤكد اهتمام المهرجان بتقدير الفنانين الذين تركوا بصمتهم في تجارب سينمائية مختلفة، سواء أمام الكاميرا أو خلفها.
السجادة الحمراء: حين تلتقي السينما بالموضة
إلى جانب الأفلام والجوائز، بقيت السجادة الحمراء إحدى أكثر المحطات جذبًا للاهتمام الإعلامي والجماهيري. ففي مهرجان يجمع نجومًا من مصر والعالم العربي وخارجه، تتحول الإطلالات إلى مساحة للتعبير عن الشخصية والذوق، وتبرز فيها العلاقة بين الموضة والصورة العامة للفنان.
منى زكي، يسرا، ليلى علوي، درّة، وسلمى أبو ضيف: مقاربات مختلفة للأناقة
في حفل الافتتاح، اختارت منى زكي فستانًا أسود من دار Carolina Herrera، جمع بين الجزء العلوي المكشوف الكتفين والمطرز بتفاصيل دقيقة، والتنورة الواسعة التي زُيّنت بنقوش هندسية من الكريستال والتطريزات المعدنية. وجاءت تسريحة الشعر القصيرة والمجوهرات الناعمة لتمنح التصميم مساحة كافية للتألق، من دون أن تطغى الإكسسوارات على تفاصيله.
أما يسرا، فاختارت تصميماً من Balenciaga قدّم قراءة أكثر معمارية للفستان الأسود. فقد برز الجزء العلوي المحدد للقوام، قبل أن تنفتح التنورة في حجم واسع وثنيات واضحة، لتصبح القصّة العنصر الأساسي في الإطلالة. وبالابتعاد عن الزخارف الكثيفة، ركّز الاختيار على قوة الشكل والتوازن بين البنية والحركة.
في المقابل، اتجهت سلمى أبو ضيف نحو الرومانسية الهادئة بفستان من الساتان العاجي من Miu Miu، تميز بثنيات ناعمة وحمالات مرصعة بالأحجار، فيما أكملت تسريحة الشعر المتموج والمكياج المضيء الصورة المستوحاة من أناقة هوليوود الكلاسيكية. وهكذا، قدّمت الإطلالات الثلاث تصورات مختلفة للفخامة، من التطريز الهندسي إلى القصّات النحتية والنعومة الحريرية.
أما درة، فظهرت بفستان من المصمم اللبناني طوني ورد، جمع بين تدرجات العنابي والفضي والتطريزات اللامعة، مع ذيل طويل أضاف إلى التصميم حضوراً درامياً. ويبرز اختيارها مكانة المصممين اللبنانيين في مشهد أزياء السجادة الحمراء، حيث تلتقي الحرفية الدقيقة بالتفاصيل التي تصنع إطلالة مسائية متكاملة.

واستعادت ليلى علوي، من أرشيف دار طوني ورد فستانًا باللون الأزرق السماوي، من مجموعة الأزياء الجاهزة لربيع وصيف 2022. ويكشف هذا الاختيار عن قيمة التصاميم الأرشيفية في بناء إطلالة معاصرة، إذ يمكن لقطعة من مجموعة سابقة أن تستعيد حضورها على السجادة الحمراء من خلال اللون والتنسيق والسياق الجديد الذي تظهر فيه.
هكذا أظهرت إطلالات مهرجان الجونة السينمائي 2026 أن الأناقة على السجادة الحمراء لا تتبع اتجاهاً واحداً؛ فقد تداخلت التصاميم الكلاسيكية مع القصّات المعمارية، وبرزت الألوان المشبعة إلى جانب الأسود والعاجي، فيما منحت التطريزات المعدنية والأهداب والكورسيهات الفساتين أبعاداً مختلفة.
كما عكست اختيارات النجمات حضور دور الأزياء العالمية والمصممين اللبنانيين والعرب، في مشهد تتقاطع فيه الموضة مع الهوية الشخصية والحرفية. وبين إطلالة تستند إلى بساطة القصّة وأخرى تراهن على البريق والتفاصيل، بقيت السجادة الحمراء مساحة موازية للاحتفاء بالسينما، تروي من خلال الأزياء جانباً آخر من حكاية المهرجان.
حفل الختام: تتويج تسعة أيام من السينما
اختُتمت الدورة التاسعة مساء الجمعة 23 أكتوبر، بإعلان نتائج المسابقات الرسمية وتوزيع جوائز نجمة الجونة الذهبية والفضية والبرونزية، إلى جانب جائزة الجمهور”سينما من أجل الإنسانية” وجائزة نجمة الجونة الخضراء.
وفاز فيلم «طبيب أمريكي» للمخرجة بو سي تينغ بجائزة الجمهور «سينما من أجل الإنسانية»، فيما نال فيلم «دب الإزعاج» (Nuisance Bear) للمخرجتين غابرييلا أوسيو فان دن وجاك وايزمان جائزة نجمة الجونة الخضراء، المخصصة للأعمال التي تتناول القضايا البيئية والاستدامة.
كما شهد الحفل تكريمًا للفنانين الراحلين، مع تحية خاصة للموسيقار المصري هاني شنودة، استحضرت محطات من مسيرته الفنية وإسهاماته الموسيقية.
الجونة… مساحة تتجاوز عروض الأفلام
أكدت الدورة التاسعة أن مهرجان الجونة السينمائي لا يقتصر على المنافسة بين الأفلام، بل يشكّل مساحة للقاء الثقافات والتجارب، وتبادل الخبرات بين صناع السينما، وتسليط الضوء على المواهب العربية والعالمية.
وبين تكريم منى زكي وفوزي بنسعيدي، والنجاحات التي حققتها أفلام مثل «خروج آمن» و«المواطن أسامة»، وحضور الموضة على السجادة الحمراء، رسمت الدورة ملامح مشهد يجمع بين الفن والنجومية والأناقة.
وهكذا، أسدل المهرجان الستار على تسعة أيام من العروض والحوارات والاحتفاء بالإبداع، تاركًا وراءه حصيلة سينمائية تعكس تنوع الحكايات العربية والعالمية، وتؤكد أن المهرجانات تكتسب قيمتها الحقيقية من قدرتها على جمع الفن بالجمهور، وفتح المجال أمام قصص تستحق أن تُروى.