مصدر الصورة: Launchmetrics
مع انتقال موسم العروض من عاصمة إلى أخرى، بدأت ملامح ربيع وصيف 2027 تتشكل من خلال رؤى مختلفة للمرأة المعاصرة؛ من الطاقة اللونية والتنوع في النِّسب التي برزت في اتجاهات موضة ربيع وصيف 2027 حسب أسبوع نيويورك، إلى الحس التجريبي والهوية البصرية الخاصة التي حملتها منصات طوكيو، وصولًا إلى إعادة تعريف الأناقة الاسكندنافية في ملامح ربيع وصيف 2027 من كوبنهاغن. وبين هذه العواصم، لا يبدو الموسم وكأنه يتحدث بلغة واحدة، بل يكشف عن اتجاهات متعددة تتقاطع في بعض التفاصيل، وتختلف في أخرى، لتمنح خزانة الموسم المقبل شخصية أكثر تنوعًا وحرية.
من جهته لم يكن أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027 مجرد عودة إلى المنصة البريطانية التقليدية، بل بدا أقرب إلى مساحة تختبر فيها الموضة علاقتها بالأنوثة، والذاكرة، والجرأة، وحتى عدم الكمال. ومع عودة أسماء كبيرة مثل Alexander McQueen وChristopher Kane إلى المشهد، إلى جانب حضور Mulberry وBurberry ومجموعة واسعة من المصممين المستقلين، جاءت الصورة النهائية شديدة التنوع، لكنها التقت عند رغبة واضحة في إعادة الشخصية إلى الإطلالة.
ومن الرومانسية التي حملها الدانتيل، إلى السراويل منخفضة الخصر، والشرّابات المتحركة، وصولاً إلى الأقراط الكبيرة ، بدا أن لندن لا تبحث عن اتجاه واحد يهيمن على الموسم، بقدر ما تعيد فتح الباب أمام الموضة بوصفها مساحة للتعبير الفردي.
الدانتيل… من الرومانسية إلى الحياة اليومية
إذا كانت هناك خامة تستحق لقب بطلة أسبوع لندن لربيع وصيف 2027، فهي الدانتيل. لكن حضوره هذا الموسم لا يمكن اختزاله في صورة الفستان الرومانسي أو الإطلالة المسائية؛ فقد أعاد المصممون تقديمه باعتباره خامة مرنة يمكن أن تنتقل بين الرومانسية والجرأة، وبين التفاصيل التراثية والتنسيقات اليومية.
Bora Aksu قدّم الوجه الأكثر حرفية ورومانسية للخامة. ظهرت التفاصيل الدانتيلية ضمن مجموعة استلهمت أجواء الريف والفساتين العتيقة. والأهم أن المصمم أدخل إلى المجموعة تقنية دانتيل تاريخية اكتشفها في غازي عنتاب، تعتمد على سحب خيوط القماش لتكوين أنماط دقيقة، وهي تقنية تُمارس محلياً منذ أكثر من قرنين. بذلك لم يكن الدانتيل مجرد عنصر زخرفي، بل أصبح جزءاً من قصة الحرفة نفسها.
أما Dreaming Eli، فدفع الخامة نحو مساحة أكثر تحرراً. امتزج الدانتيل مع الحرير المتعمد أن يبدو متهالكاً ومع الكورسيه، ليظهر وكأنه خرج من خزانة ملابس داخلية قديمة ثم أُعيد تركيبه بعيون معاصرة. هنا يفقد الدانتيل بعضاً من نعومته التقليدية، ويكتسب ملمساً أكثر خشونة وشخصية.
وهنا تحديداً تتضح النقلة الأساسية في اتجاه الدانتيل: الخامة لم تعد مرتبطة بالفساتين المسائية وحدها، بل أصبحت تعمل كطبقة أو تفصيل أو ملمس داخل إطلالة أكثر عملية. يمكن أن تظهر فوق الدنيم، تحت سترة مفصلة، إلى جانب قطعة جلدية، أو في صورة جورب أو توب شفاف، بحيث يصبح التباين بين رقتها وقطع أكثر صلابة جزءاً من جاذبيتها.
ويتعزز هذا الاتجاه مع حضور الدانتيل لدى أسماء أخرى في لندن؛ مثل John Richmond حيث ظهرت هذه الخامة في التوبات والقطع المنفصلة والفساتين.
الخصر المنخفض يعود… ولكن بترجمة أكثر حدة
لم يعد الخصر المنخفض مجرد استعادة مباشرة لصورة بدايات الألفية، بل يعود في لندن لربيع وصيف 2027 ضمن صورة أكثر تحديداً ونضجاً لشكل الجسم. ففي الـStreet Style، لفتت سراويل الجينز منخفضة الخصر الانتباه، وهي تُرتدى منخفضة على الوركين وتأتي بقصّات مستقيمة أو ضيقة نسبياً، في تناقض واضح مع سيطرة السراويل الضخمة ذات الأرجل البرميلية في المواسم الأخيرة.
وعلى المنصة، اتخذت الفكرة شكلاً أكثر حدة. فقد رصد هذا التوجه لدى Alexander McQueen، وكذلك لدى Petra Fagerström وAaron Esh وTalia Byre، سراويل منخفضة على الوركين بقصّة نحيفة عند الفخذ والساق، قبل أن تتسع بدرجة خفيفة عند الكاحل. هذه النسبة تحديداً تمنح الـLow-Rise الجديد طابعاً مختلفاً عن الـskinny jeans التقليدي: فهو ضيق في بنيته، لكنه يعتمد على خط أطول وأكثر انسيابية، مع حركة بسيطة عند النهاية.
وهكذا، فإن Low-Rise ربيع وصيف 2027 لا يعود باعتباره نوستالجيا مباشرة لبدايات الألفية، بل كأداة لإعادة رسم silhouette الجسم والملابس معاً: الخصر ينخفض، الساق تصبح أكثر تحديداً، والنهاية تتحرك قليلاً عند الكاحل. وفي شوارع لندن، يتحول هذا الخط إلى خيار يومي أكثر هدوءاً، بينما تمنحه منصات McQueen وPetra Fagerström وAaron Esh وTalia Byre صيغة أكثر حدة ووضوحًا.
الشرّابات تضيف الحركة
إذا كانت بعض اتجاهات لندن لربيع وصيف 2027 تُعرّف الملابس من خلال القصّة أو اللون، فإن الشرّابات Fringe أضافت إليها عنصراً لا يظهر بالكامل إلا مع الحركة. الخيوط المتدلية، الحواف المفككة، التفاصيل الشبيهة بالحبال والشرّابات الطويلة لم تعد مجرد زينة على أطراف القطع، بل أصبحت جزءاً من بنية التصميم، تتحرك مع خطوات العارضة وتغيّر شكل الإطلالة من لحظة إلى أخرى.
وقد ظهرت الـFringe ضمن الاتجاهات اللافتة في لندن، خاصة لدى Roksanda وLabrum اللتين قدّمتا مقاربات ملمسية واضحة للخامة والتفاصيل المتدلية. وقد توسّع المشهد ليشمل أسماء أخرى مثل Mark Fast وMaximilian Raynor وAgro Studio ، ما يؤكد أن الاتجاه ظهر بأكثر من لغة داخل جدول الموسم.
قدمت Roksanda واحدة من أكثر القراءات وضوحاً وفخامة لهذا الاتجاه. فقد استلهمت المصممة مجموعتها من أعمال الفنانة والنحاتة السويسرية Françoise Grossen، المعروفة باستخدام الضفائر والحبال والخيوط المعقودة في أعمالها النحتية.
انتقلت هذه اللغة مباشرة إلى الملابس: خيوط طويلة تنسدل من القطع، وتفاصيل شبيهة بالحبال تُلف حول السترات وتربطها، إضافة إلى إكسسوارات ووشاحات ذات مظهر مشعث. وفي بعض الإطلالات، غطت طبقات كثيفة من الخيوط الفساتين بالكامل تقريباً، بحيث يصبح الجسد نفسه جزءاً من حركة العمل الفني.
وهنا تحديداً تبتعد Roksanda عن الصورة التقليدية للـFringe المرتبطة بالـBoho أو بالأسلوب الغربي؛ فالشرّابات لديها نحتية وفنية بقدر ما هي زخرفية، وتدخل في حوار مع الـtailoring والفساتين المسائية والأحجام الكبيرة.
لدى Labrum London، تأتي التفاصيل الملمسية ضمن سياق مختلف. فالخياطة البريطانية الصارمة تصبح أكثر ليونة وحركة عندما تدخل إليها الخيوط والتطريزات والمواد ذات السطح الغني. أما Mark Fast، فحوّل الشرّابات من تفصيل يمكن فصله عن القطعة إلى عنصر يساهم في تكوين سطحها وشكلها النهائي.
ويظهر الاتجاه أيضاً لدى Maximilian Raynor وAgro Studio، والكثير غيرها من العلامات.
لذلك، فإن قراءة Fringe في لندن SS27 لا تحتاج إلى وضعها مباشرة تحت مظلة الـBoho. صحيح أن الشرّابات تحمل إرثاً قوياً من السبعينيات والأسلوب البوهيمي، لكن الموسم الحالي يحررها من هذا القالب.يمكن أن تظهر على فستان مسائي فتمنحه حركة درامية، أو على سترة مفصلة فتخفف من صرامة الـtailoring، أو على وشاح أو حقيبة لتصبح نقطة التركيز في إطلالة بسيطة. وحتى عندما تكون الخيوط طويلة ومبالغاً فيها، فإنها تعمل كأداة بصرية لرسم الحركة حول الجسم.
أقراط الأذن تكبر… وتصبح نقطة التركيز
على منصات لندن لعروض ربيع وصيف 2027 برزت أقراط الأذن الكبيرة التي تحوّلت من تفصيل مكمل إلى عنصر قادر على قيادة الإطلالة. وتظهر هذه الفكرة خصوصاً عندما تُنسق القطع الكبيرة مع ملابس أكثر هدوءاً، فتترك للمجوهرات مساحة واضحة كي تتحدث.
قدمت Labrum مثالاً لافتاً على تضخيم الإكسسوار؛ إذ ظهرت تصاميم تغطي جزءاً كبيراً من الأذن، بما ينسجم مع فلسفة العلامة في جعل الحرفة والتفاصيل جزءاً أساسياً من لغة المجموعة. كما ظهرت أقراط الأذن الكبيرة في عروض Burberryو Susan Fangو Richmond.
وكان لافتًا اعتماد قرط أذن واحد في الكثير من العروض ومنها Roksanda.
وهذا الحجم الجديد لا يعني بالضرورة البريق التقليدي؛ فالأقراط الكبيرة يمكن أن تكون نحتية، معدنية، ذات ملمس حرفي أو حتى غريبة الشكل. المهم أنها لا تختبئ في الإطلالة، بل تصبح إحدى نقاطها البصرية الأساسية.
الحقائب: التراث البريطاني بلون جديد
في موسم ربيع وصيف 2027، لم تتخلَّ لندن عن إحدى أكثر مفرداتها رسوخًا: الحقيبة التراثية. لكن ما تغيّر هو الطريقة التي أعيد بها تقديم هذا التراث؛ فبدل أن تبقى الحقيبة الكلاسيكية مرتبطة بالأسود والبني والجلد التقليدي، بدت أكثر استعدادًا للانفتاح على اللون والحجم وإعادة التفسير.
كان حضور Mulberry محوريًا في هذا المشهد، خصوصًا مع عودة الدار إلى جدول أسبوع لندن للموضة وتقديم أول مجموعة لـChristopher Kane بصفته المدير الإبداعي. وفي العرض، لم يكتفِ Kane بإعادة تقديم هوية Mulberry، بل جعل Bayswater نفسها نقطة انطلاق تصميمية؛ إذ أعاد توظيف شكل غطاء الحقيبة الأيقونية وتفاصيله المسننة داخل الملابس والتفاصيل الجلدية، في مقاربة تربط بين أرشيف الدار ولغة أكثر حداثة.
ولا يقتصر هذا المزاج على Mulberry وحدها. فقد حضرت الحقائب ذات الطابع البريطاني ضمن المشهد الأوسع للـStreet Style، مع استمرار الاهتمام بالقطع ذات الشخصية الواضحة، ومنها حقائب Mulberry القديمة والأرشيفية التي ظهرت على شوارع لندن. وفي المقابل، واصلت دور مثل Burberry العمل على مفرداتها التراثية من منظور معاصر؛ فمجموعة ربيع وصيف 2027 لـDaniel Lee أعادت صياغة الـcheck الأيقوني عبر طبعات وألوان أكثر حيوية، ضمن توجه عام لدى الدار لإعادة النظر في رموزها البريطانية بدل تكرارها حرفيًا.
وهكذا، تبدو حقيبة الموسم في لندن أقل اهتمامًا بفكرة «الكلاسيكية» بمعناها الجامد، وأكثر انفتاحًا على الكلاسيكية المتحركة: شكل معروف، وهوية يمكن التعرف إليها، لكن بلون أو حجم أو طريقة تنسيق تكسر التوقع.
الحقيبة التراثية لا تختفي؛ إنها ببساطة تتخلى عن حيادها.
لندن SS27: عندما تصبح الشخصية هي الاتجاه
ما تكشفه هذه الصورة في النهاية ليس «ترنداً» واحداً، بل تحولاً في طريقة بناء الإطلالة.
هناك الدانتيل والكورسيه، لكنها تقابل بالـLow-Rise. وهناك الـFringe والأقراط الضخمة.
لذلك ربما يكون أكثر ما يميز لندن ربيع وصيف 2027 هو أنها لا تطلب من المرأة أن تختار بين الأنوثة والعملية، أو بين التراث والحداثة، أو بين الفخامة والعفوية.
بل تضعها كلها أمام المرآة نفسها.
وهنا تحديداً تكمن جاذبية لندن: أن الموضة لا تبدو كأنها تتبع اتجاهاً واحداً، بل كأنها تستعيد حقها في أن تكون شخصية.