على امتداد أكثر من عقدين، بنى سعيد قبيسي لنفسه موقعاً خاصاً في مشهد الأزياء اللبناني والعربي، انطلاقًا من بيروت التي احتضنت أول أتيلييه للدار عام 2002، وصولًا إلى حضور دولي رسّخته مجموعات الـ Couture والـReady-to-Wear والـBridal Couture . ومنذ انطلاق علامته عام 2000، ظلّ المصمم يعود إلى الفكرة نفسها من زوايا مختلفة: كيف يمكن للأنوثة أن تبدو قوية من دون أن تفقد خفتها، وكيف يمكن للحرفية الدقيقة أن تترك مساحة للحركة والحرية؟
في مجموعته الجديدة لربيع وصيف 2027، BAHIA – Somewhere Else يذهب سعيد قبيسي بهذه اللغة إلى صيف متخيّل تنبض فيه الألوان الاستوائية بالحياة، وتتجاور الفساتين المنحوتة مع الشيفون الانسيابي، والتفصيل الدقيق مع القصّات المنسدلة والأحجام الواسعة. إنها مجموعة تحتفي بالحركة بقدر ما تحتفي بالتصميم، وتوازن بين البنية والنعومة، وبين الدقة والعفوية.
لكن حكاية BAHIA لا تتوقف عند الملابس. ففي الحملة الإعلانية، يقلب سعيد قبيسي اتجاه الرحلة: فبدلاً من أن يسافر إلى العالم الذي ألهم المجموعة، يأتي بذلك العالم إلى لبنان. تدخل باهيا شوارع لبنان وناسه وطقوسه وتفاصيل حياته اليومية، لتنشأ مساحة بصرية يلتقي فيها البعيد بالمألوف، والثقافة الآتية من مكان آخر، بالهوية المحلية.

ومن هنا تبدو عبارة Somewhere Else أكثر من عنوان لحملة؛ إنها سؤال عن معنى الانتماء نفسه. ماذا يحدث حين لا يعود «المكان الآخر» بعيدًا كما يبدو؟ وحين تكتشف ثقافتان تفصل بينهما الجغرافيا أن بينهما ما يكفي من التفاصيل والمشاعر لخلق مساحة مشتركة؟ بالنسبة إلى قبيسي، يتحول هذا اللقاء إلى رؤية للموضة باعتبارها لغة قادرة على الانتقال بين الأمكنة، والتكيّف معها، وإعادة اكتشافها.
وفي مقابلة خاصة لمجلة اليقظة الجديدة، يتحدّث سعيد قبيسي عن BAHIA – Somewhere Else، وعن الفكرة التي دفعته إلى نقل عالم Bahia إلى لبنان، وعن علاقته بالمكان والانتماء، كما يكشف كيف تحولت مجموعة ربيع وصيف 2027 إلى حوار بصري بين عالمين، وما الذي يعنيه بالنسبة إليه أن يجد الإنسان “بيته” في مكان لم يكن يتوقعه.
وتأتي رؤية سعيد قبيسي في BAHIA – Somewhere Else ضمن حضور أوسع للمصممين اللبنانيين الذين يواصلون بناء جسور بين الهوية المحلية والمشهد العالمي.
BAHIA – Somewhere Else سعيد قبيسي يضع مجموعته لربيع وصيف 2027 في قلب لبنان
تصف مجموعة BAHIA Somewhere Else بأنها تجسّد الصيف في أبهى صور حيويته. ما هو الشعور أو الصورة الأولى التي ألهمتك لابتكار هذه المجموعة؟
بدأ الأمر بشعور بالحرية. لم أكن أفكر في الصيف كمجرّد فصل من فصول السنة، بل كحالة ذهنية؛ تلك اللحظة التي تبدو فيها كل الأشياء مفعمة بالحياة: تزداد الألوان كثافة، وتصبح الحركة أكثر عفوية، ويسود شعور بالخفة في طريقتنا لتجربة العالم. أردتُ ترجمة هذه الطاقة إلى مجموعة تبعث على البهجة والعفوية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على القوة والدقة والهدف الواضح في التصميم.
الحرية والحركة هما عنصران أساسيان في هذه المجموعة. كيف قمت بترجمة هذه الأفكار إلى قصّات الملابس والأقمشة وهيكلية التصاميم؟
أخذنا الحركة في الاعتبار منذ البداية؛ فقد اعتمدنا على الثنيات الانسيابية، وأقمشة الشيفون المطبوعة، والقصّات المائلة ، والأحجام الواسعة التي تتناغم طبيعيًا مع حركة الجسم، بينما تضفي القصّات المنحوتة والأبعاد المدروسة توازنًا وهيكلية للتصاميم. أردتُ أن أمنح الملابس شعورًا بالحرية دون فقدان السيطرة أو التوازن؛ فهناك دائمًا دقة كامنة وراء الحركة، وهو أمر جوهري لهوية الدار.
تتحدّث عن امرأة تُظهر “ثقة مختلفة” من خلال أسلوبها في ارتداء الملابس. من هي المرأة التي تخيلتها ترتدي تصاميم BAHIA Somewhere Else، وما الذي يحدّد ثقتها بنفسها اليوم؟
إنها امرأة تدرك حقيقة نفسها ولا تشعر بحاجة لإثبات ذلك للآخرين. تختار ملابسها بعفوية ولكن بوعي وقصد؛ فهي قادرة على تبني الألوان والأنوثة والقصّات القوية دون أن تطغى الملابس على شخصيتها. بالنسبة لي، ترتبط الثقة اليوم ارتباطًا وثيقًا بالحرية؛ حرية اتخاذ خيارات تعبّر عن الذات، والتحرّك بعفوية، وتحديد مفهوم الأنوثة وفقًا لرؤيتها الخاصة.

تتأرجح المجموعة بين الأشكال المنحوتة والقصّات الانسيابية التي تكاد تكون أثيرية وخفيفة. ما الذي جذبك لاستكشاف هذا التباين بين الهيكلية والنعومة؟
لطالما اهتممتُ بمبدأ التباين لأنه يضفي طابعًا مميّزًا على التصميم. في هذه المجموعة، تضفي النعومة طابعًا عفويًا على الهيكلية، بينما تمنح الهيكليةُ القطعَ الانسيابية شعورًا بالهدف المدروس. فالقصّة المنحوتة تمنح شعورًا بالقوة، في حين يضفي الشيفون أو الثنيات لمسة من الحركة والخفة. وقد أتاح لنا الجمع بين هذين الأسلوبين ابتكار تصاميم مريحة وجذابة، مع الحفاظ على الدقة التي تميّز علامة سعيد قبيس .Saiid Kobeisy
يلعب اللون دورًا تعبيريًا بارزًا هذا الموسم، بدءًا من درجات الألوان الاستوائية النابضة بالحياة ووصولًا إلى الألوان المحايدة الهادئة التي توحي بلمسة من أشعة الشمس. ما الرسالة التي أردت إيصالها من خلال هذه اللوحة اللونية؟
أردتُ أن يحمل اللون مشاعر وأحاسيس؛ فالدرجات النابضة بالحياة تضفي طاقة ودفئًا وتفاؤلًا، بينما تبتكر الألوان المحايدة الأكثر نعومة -والتي توحي بلمسة من ضوء الشمس- لحظات من الهدوء والتوازن. وبدلًا من التعامل مع اللون كعنصر تزييني بحت، تعاملنا معه كجزء أصيل من شخصية كل تصميم؛ فهو يمنح المجموعة إيقاعها الخاص ويساعد في إيجاد ذلك الشعور بأجواء الصيف الممتد بلا نهاية.

تتميّز المجموعة ببراعة حرفية تبرز ملمس الخامات وتفاصيلها، مثل الجلد المقطوع بالليزر، والتطريز الدقيق بالخرز، والزخارف المستوحاة من الأمواج وزبد البحر. برأيك، ما هي التقنيات أو التفاصيل التي تعبّر بأفضل شكل عن روح هذه المجموعة؟
يُعبّر التباين بين الجلد المقطوع بالليزر وتطريز الخرز عن جوهر المجموعة ببراعة؛ فالجلد يتميّز بدقة هندسية وتصاميم استوائية مُصاغة بأسلوب هيكلي محكم، بينما يبدو تطريز الخرز أقرب إلى الأشكال العضوية المستوحاة من حركة الأمواج وآثار زبد البحر. يعجبني أن أحد العنصرين يوحي بالتحكّم والبناء الهندسي، بينما يلتقط الآخر الضوء ويبدو وكأنه يتحرك؛ وهما معًا يعكسان التوازن بين الدقة والحرية الذي يسري في ثنايا المجموعة بأكملها.
على الرغم من أنها مجموعة أزياء جاهزة للارتداء Ready-to-Wear، إلا أنها تعكس بوضوح طابع الأزياء الراقية Couture من حيث الدقة والحرفية. كيف تترجم سمات دار سعيد قبيشي Saiid Kobeisy لتلائم خزانة ملابس يومية تتسم بالعفوية والسهولة؟
بالنسبة لي، لا تعني الأزياء الجاهزة تبسيط هوية الدار، بل التعبير عنها بأسلوب مختلف. تظل عناصر الدقة في القصات، والاهتمام بالنسب، والحرفية العالية، ورؤيتنا للأنوثة حاضرة بقوة، ولكنها تترجم إلى قطع تتسم بمزيد من السهولة والمرونة في الارتداء. يكمن التحدّي في الحفاظ على ذلك الطابع الراقي مع منح المرأة حرية الحركة والعيش بعفوية وطبيعية وهي ترتدي هذه التصاميم؛ وهذا التوازن هو ما يجعل المجموعة جاهزة للارتداء Ready-to-Wear مع احتفاظها في الوقت ذاته ببصمة سعيد قبيسي التي لا تخطئها العين.
بين البنية والانسيابية، تتشكل لغة سعيد قبيسي المعاصرة
تستكشف الحملة الإعلانية فكرة أن ما يبدو غريباً في البداية قد يصبح مع مرور الوقت مألوفًا ومريحًا كالوطن. هل تحمل فكرة الانتماء هذه دلالة خاصة بالنسبة لك، سواء على الصعيد الشخصي أم الإبداعي؟
بالتأكيد، فهي تعني لي الكثير. تنقل الحملة مجموعةBAHIA من العالم الخيالي الذي وُلدت فيه لتضعها في قلب لبنان؛ بين شوارعه وناسه وطقوسه ولحظاته اليومية. لقد أثار اهتمامي ما يحدث حين يلتقي عالمان يبدوان مختلفين؛ وبدلاً من التركيز على أوجه الاختلاف، سعينا لاكتشاف نقاط التواصل والترابط بينهما. بالنسبة لي، لا يرتبط الانتماء دائماً بجذور المرء أو أصله، بل قد يكمن أحيانًا في ما نلمسه عاطفيًا في مكانٍ ما، أو شخصٍ ما، أو لحظةٍ بعينها. وتلك هي الحقيقة.
وهذا هو جوهر فكرة Somewhere Else – مكان آخر: أن يتحول ما هو غير مألوف إلى شيء مألوف تدريجيًا، وأن يبدأ ذلك المكان الآخر في منحك شعورًا بأنك في بيتك.
بصفتك مصمم لبناني تخاطب نساءً من مختلف أنحاء العالم، كيف توازن بين الشعور القوي بالهوية والرغبة في ابتكار تصاميم تلامس ذائقة عالمية؟
لا أرى أي تعارض بين الأمرين؛ فالهوية القوية تمنحك رؤيةً خاصة، ومن خلالها يمكنك ابتكار ما يتجاوز الحدود الجغرافية. صحيح أن لبنان يشكل جزءًا من منظوري الخاص – إذ تؤثر تبايناته وطاقته وثراؤه بشكل طبيعي على رؤيتي للأشياء – إلا أنني أصمم للنساء اللواتي يعشن حيواتٍ وينتمين لثقافات متنوعة حول العالم. وما يجمعهنّ ليس بالضرورة مكانًا جغرافيًا واحدًا، بل هي المشاعر والثقة والأنوثة والرغبة في التعبير عن الذات. وكلما كان منطلق التصميم صادقًا وأصيلًا، زادت قدرته على إيجاد صدىً وتفاعلٍ طبيعي في أماكن أخرى.
لو كان عليك تلخيص روح مجموعة BAHIA Somewhere Else في شعور واحد تود أن تحمله النساء معهنّ، فماذا سيكون؟
الحرية. لا تقتصر هذه الحرية على حرية الحركة فحسب، بل تشمل حرية التعبير؛ أي امتلاك الثقة لتبنّي الألوان والأنوثة والتفرّد دون تردّد. أود أن تشعر المرأة التي ترتدي هذه المجموعة بأنها على طبيعتها تماماً: قوية، وعفوية، ومعبّرة عن ذاتها، ومفعمة بالحياة. تلك، بالنسبة لي، هي روح BAHIA Somewhere Else.
ولنظرة أوضح على أبرز اتجاهات موضة ربيع وصيف 2027 لا بدّ من قراءة:
أسبوع الموضة في باريس ربيع وصيف 2027: أبرز العروض والاتجاهات
ميلانو ترسم ملامح ربيع وصيف 2027: حين تعود الأناقة إلى الواجهة
ربيع وصيف 2027 في لندن: الموضة تستعيد جرأتها
أبرز اتجاهات الموضة في كوبنهاغن SS27: من الرفاهية الهادئة إلى التمرد الإبداعي
إتجاهات موضة ربيع وصيف 2027 كما رسمتها منصّات عروض أسبوع طوكيو