مصدر الصورة: حساب مهرجان البندقية السينمائي على إنستغرام
مع اقتراب انطلاق الدورة الـ83 من مهرجان البندقية السينمائي، المقرر إقامتها من 2 إلى 12 سبتمبر 2026، تكشف خريطة البرنامج عن حضور عربي لافت، وإن كان خارج المسابقة الرئيسية على الأسد الذهبي. ففي قسم Venice Spotlight يشارك فيلما «حوار مع البحر» للمخرج الفلسطيني مؤيد عليان و«Furies» للمخرج اللبناني رامي كديح، بينما تدخل المخرجة التونسية كوثر بن هنية إلى قلب المسابقة الرئيسية لكن من موقع مختلف تمامًا، بوصفها عضوًا في لجنة تحكيم Venezia 83 Competition.
وهذه المفارقة تستحق التوقف عندها. فغياب فيلم عربي عن المسابقة الرئيسية لا يعني غياب السينما العربية عن المشهد الفينيسي، كما أن موقع الفيلم داخل البرنامج أصبح عنصرًا مهمًا في قراءة حجم حضوره. وبعدما شهد عام 2025 وصول «صوت هند رجب» للمخرجة كوثر بن هنية إلى المسابقة الرسمية وفوزه بالأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، تبدو دورة 2026 فرصة لقراءة المرحلة الجديدة التي تدخلها السينما العربية في واحد من أعرق المهرجانات السينمائية في العالم.
“حوار مع البحر” ذاكرة فلسطينية بإنتاج دولي
من أبرز العناوين العربية في دورة 2026 فيلم “حوار مع البحر” (Hiwar ma’ albahr – Conversation With The Sea) للمخرج الفلسطيني مؤيد عليان، الذي يشارك في قسم Venice Spotlight.
الفيلم إنتاج فلسطيني-هولندي-سعودي-قطري، وتدور قصته حول كمال، وهو رجل فلسطيني يبلغ 60 عامًا، يجد نفسه مطالبًا بسداد دين للضمان الاجتماعي يُنسب إلى ابنه وائل، الذي يُعتقد أنه غرق في البحر الأحمر قبل عقود. وعندما يتبين عدم وجود سجل رسمي لوفاته، يبدأ كمال رحلة بحث تقوده إلى محاولة اكتشاف ما حدث لابنه. ويشارك في البطولة كامل الباشا وعامر حليحل وبهيرة عباسي وماريا زريق، فيما تبلغ مدة الفيلم 112 دقيقة.
ويكتسب الفيلم أهمية إضافية من طبيعة إنتاجه العابر للحدود، إذ يجمع بين فلسطين وهولندا والسعودية وقطر. وهو ما يعكس أحد الملامح المتزايدة في السينما العربية المعاصرة: قدرة الأفلام المحلية في موضوعاتها وشخصياتها على الوصول إلى المهرجانات الدولية عبر شراكات إنتاجية تمتد إلى أوروبا والمنطقة العربية.
وجود الفيلم في Venice Spotlight يمنحه موقعًا رسميًا مهمًا داخل برنامج المهرجان، مع ضرورة التمييز بين هذا القسم وبين Venezia 83 Competition؛ فالمشاركة في Spotlight لا تعني الدخول في المنافسة على الأسد الذهبي.
«Furies»حضور لبناني في Venice Spotlight
يحضر لبنان في دورة 2026 من خلال فيلم Furies للمخرج رامي كديح، وهو إنتاج لبناني-برازيلي يشارك أيضًا في قسم Venice Spotlight. الفيلم من بطولة ماريا نقوزي وريم مروّة وحسن عقيل وعصام بو خالد، وتبلغ مدته 133 دقيقة.
يضع الفيلم شخصياته وسط الانهيار الاقتصادي الذي شهده لبنان، حيث تجمد المصارف أموال المودعين، لتجد مارو، وهي أم عزباء، وشقيقتها داليا نفسيهما أمام خطة لاستعادة أموالهما. وبهذا تتحول الأزمة المالية إلى نقطة انطلاق لحكاية درامية تجمع بين الواقع الاجتماعي والحكاية الشخصية.
كما يعكس الإنتاج اللبناني-البرازيلي بدوره الطبيعة الدولية المتزايدة لبعض الأفلام العربية التي تصل إلى المهرجانات الكبرى، حيث لا تتوقف شبكة الفيلم عند حدود بلد الإنتاج الأصلي، بل تمتد إلى شركاء دوليين في التمويل والإنتاج والتوزيع.
من «نزوح» إلى «صوت هند رجب»: خمس سنوات من الحضور العربي
لفهم موقع السينما العربية في دورة 2026، من الضروري النظر إلى السنوات السابقة لا باعتبارها مجموعة مشاركات منفصلة، وإنما باعتبارها مسارًا متدرجًا داخل خريطة مهرجان البندقية.
في 2022، حضرت السينما السورية من خلال فيلم نزوح (Nezouh) للمخرجة سؤدد كعدان في قسم Orizzonti Extra، في تجربة ركزت على الحرب والنزوح من خلال منظور إنساني وشخصي.
أما في 2023، ظهر حضور لبناني في قسم Orizzonti من خلال «Sea Salt» للمخرجة ليلى بسمة و«Et si le soleil plongeait dans l’océan de nues» للمخرج وسام شرف، بما عكس تنوعًا في التجارب العربية التي تصل إلى البرامج الرسمية للمهرجان.
وفي عام 2024، برزت بصورة أوضح للأفلام العربية التي تقف خلفها شبكات إنتاج دولية، ومن بينها الفيلم التونسي “عائشة” (Aïcha) للمخرج مهدي البرصاوي، والفيلم الفلسطيني «Happy Holidays» للمخرج إسكندر قبطي.
وتكشف هذه المشاركات عن تحول مهم: الفيلم العربي لم يعد يصل إلى المهرجان فقط بوصفه إنتاجًا وطنيًا منفردًا، بل ضمن منظومات إنتاج وتمويل وشراكات دولية.
لكن عام 2025 شكل محطة أكثر أهمية مع وصول “صوت هند رجب” (The Voice of Hind Rajab) للمخرجة التونسية كوثر بن هنية إلى المسابقة الرئيسية.
ولم يتوقف الأمر عند المشاركة، فقد حصل الفيلم على الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في الدورة الـ82 من مهرجان البندقية.
وهكذا أصبح الفيلم التونسي أحد أبرز الأمثلة الحديثة على قدرة السينما العربية على الوصول إلى قلب المنافسة الفينيسية وتحقيق حضور جوائزي بارز.
وفي الدورة نفسها، شارك الفيلم السعودي “هجرة” (Hijra) للمخرجة شهد أمين في Venice Spotlight، ضمن إنتاج سعودي-عراقي-مصري-بريطاني متعدد اللغات.
أما في 2026، فتتركز أبرز المشاركات العربية في Venice Spotlight من خلال «حوار مع البحر» و«Furies»، فيما تمثل كوثر بن هنية الحضور العربي داخل لجنة تحكيم المسابقة الرئيسية.
وبذلك لا تبدو المقارنة بين 2025 و2026 مجرد مقارنة في عدد الأفلام، بل في المواقع المختلفة التي تحتلها السينما العربية داخل منظومة المهرجان.
2025 اللحظة التي وصلت فيها السينما العربية إلى قلب المنافسة
يصعب قراءة دورة 2026 من دون التوقف عند ما حدث في 2025. فمشاركة «صوت هند رجب» في المسابقة الرئيسية لم تكن مجرد إضافة فيلم عربي إلى القائمة، بل انتهت بحصوله على الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم.
ولهذا فإن غياب فيلم عربي عن المسابقة الرئيسية في 2026 يمكن أن يلفت الانتباه، لكنه لا يمحو التقدم الذي تحقق في الدورة السابقة.
بل يمكن النظر إلى الأمر بوصفه دليلًا على أن موقع السينما العربية في المهرجانات الكبرى لا يسير بالضرورة في خط تصاعدي ثابت من دورة إلى أخرى. فقد تنتقل الأفلام بين Orizzonti وVenice Spotlight والمسابقات الرئيسية، بينما يستمر الحضور العربي في أشكال أخرى داخل المهرجان.
وهنا تكمن أهمية 2026: المسألة ليست فقط في عدد الأفلام العربية، وإنما في المواقع التي تشغلها داخل خريطة البندقية.
ماذا يعني غياب الفيلم العربي عن المسابقة الرئيسية في 2026؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن عدم وجود فيلم عربي في Venezia 83 Competition يمثل تراجعًا، لكن هذه القراءة ستكون مبسطة.
فمهرجان البندقية لا يختزل حضوره السينمائي في المسابقة على الأسد الذهبي. وفي 2026، يظهر الحضور العربي في Venice Spotlight، كما يظهر في لجنة تحكيم المسابقة الرئيسية، بينما تستمر برامج الصناعة في توفير مسارات أخرى أمام المشاريع القادمة من المنطقة.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: هل تحضر السينما العربية في البندقية؟
بل: كيف تتوزع مستويات هذا الحضور من دورة إلى أخرى؟
فالوصول إلى المسابقة الرئيسية يظل محطة هامة، لكن وجود فيلم في قسم رسمي آخر، أو مشاركة مخرج عربي في لجنة التحكيم، أو انتقال مشروع من مرحلة التطوير إلى السوق الدولية، كلها عناصر تشكل في مجموعها علاقة أكثر تعقيدًا واستمرارية بين السينما العربية والمهرجان.
Final Cut in Venice المسار الذي يبدأ قبل وصول الفيلم إلى الشاشة
ولا يقتصر حضور السينما العربية في البندقية على الأفلام المكتملة. فهناك طبقة أخرى من هذه العلاقة تمر عبر Final Cut in Venice، وهو برنامج صناعة يهدف إلى دعم أفلام لا تزال في مرحلة ما بعد الإنتاج، وتوفير منصة لها أمام المنتجين والمشترين والموزعين وشركات ما بعد الإنتاج ومبرمجي المهرجانات.
وفي 2025، اختيرت ثمانية أفلام للمشاركة في البرنامج، من أصل 78 مشروعًا مقدمًا، مقارنة بـ52 مشروعًا في العام السابق، وفق بيانات Venice Production Bridge الرسمية.
ويقدم البرنامج دعمًا لمشاريع من جميع الدول الأفريقية، إضافة إلى ست دول في الشرق الأوسط هي العراق والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا واليمن، بعدما انضمت اليمن إلى نطاق الدول العربية المستفيدة من البرنامج في 2025.
وهذا المسار مهم لأنه يكشف أن العلاقة مع البندقية يمكن أن تبدأ قبل اكتمال الفيلم نفسه. فالمهرجان لا يعمل فقط كنقطة عرض للأفلام النهائية، بل أيضًا كجزء من شبكة دولية تساعد بعض المشاريع على الوصول إلى مرحلة الإنتاج والتوزيع والجمهور الدولي.
ومن هذه الزاوية، يصبح Final Cut أحد المؤشرات التي تساعد على فهم البنية المهنية التي تتحرك من خلالها السينما العربية نحو المهرجانات العالمية.
كوثر بن هنية.. الحضور العربي داخل لجنة القرار
تكتسب دورة 2026 أهمية إضافية مع وجود المخرجة التونسية كوثر بن هنية ضمن لجنة تحكيم المسابقة الرئيسية، برئاسة المخرجة والممثلة والكاتبة والمنتجة الأميركية ماغي جيلنهال.
وهنا تتغير طبيعة الحضور العربي مرة أخرى.
ففي 2025، كانت بن هنية حاضرة من خلال فيلمها «صوت هند رجب» داخل المسابقة الرئيسية، وانتهت مشاركتها بالحصول على الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم. أما في 2026، فتعود إلى البندقية من موقع مختلف تمامًا: عضو في اللجنة التي تشاهد أفلام المسابقة وتشارك في اتخاذ قرارات الجوائز.
وهذا الانتقال من موقع صانعة الفيلم إلى موقع المشاركة في تقييم الأفلام يضيف طبقة أخرى إلى الحضور العربي في المهرجان، ويؤكد أن المشاركة العربية لا تتخذ شكلًا واحدًا.
2026 حضور أقل في المسابقة وأوسع داخل منظومة المهرجان
من هذه الزاوية، لا تبدو دورة 2026 تراجعًا بسيطًا في الحضور العربي بقدر ما تبدو مرحلة مختلفة في طريقة الحضور.
«حوار مع البحر» و«Furies» موجودان في Venice Spotlight، بينما دخلت كوثر بن هنية لجنة تحكيم المسابقة الرئيسية، وتواصل برامج الصناعة، ومنها Final Cut in Venice، توفير مسارات لتطوير مشاريع من المنطقة والوصول بها إلى شبكة السينما الدولية.
واللافت أن المسار خلال السنوات الأخيرة لم يعد قائمًا على نموذج واحد. فهناك الفيلم العربي في الأقسام الرسمية، والفيلم في المسابقة الرئيسية، والمشروع في مرحلة التطوير، والمخرج العربي داخل لجان التحكيم، إلى جانب الإنتاجات المشتركة التي تربط صناع السينما العرب بشركاء دوليين.
وهذا يجعل قراءة الحضور العربي في البندقية أكثر تعقيدًا من مجرد رصد عدد الأفلام المشاركة.
هل أصبح الحضور العربي مستدامًا؟
إذا كان غياب فيلم عربي عن المسابقة الرئيسية في مهرجان البندقية 2026 يطرح سؤالًا حول إمكانية العودة إلى سباق الأسد الذهبي، فإن السنوات الأخيرة تقدم إجابة أكثر تعقيدًا.
فالسينما العربية لم تعد مجرد ضيف موسمي في البندقية. فقد وصلت إلى المسابقة الرئيسية، وحصلت على جوائز كبرى، وحضرت في الأقسام الرسمية، واستفادت من برامج التطوير والإنتاج، كما أصبح لصناعها حضور داخل لجان التحكيم.
ولهذا، فإن التحدي المقبل لا يتمثل فقط في الوصول إلى المسابقة الرئيسية مرة أخرى، وإنما في تحويل هذا الوصول إلى مسار مستمر، بحيث لا تبقى المشاركة العربية في قلب المنافسة محطة استثنائية، بل تصبح جزءًا منتظمًا من المشهد الفينيسي.
وبهذا المعنى، لا يمثل 2026 نهاية لحظة «صوت هند رجب»، بل فصلًا جديدًا في قصة أطول: قصة انتقال السينما العربية من مجرد التمثيل في مهرجان البندقية إلى بناء حضور متنوع داخل منظومته الفنية والمهنية.
ولمزيد من التغطيات وأحدث أخبار النجوم والموضة، يمكن متابعة مجلة اليقظة الجديدة حيث نختبر ونشارككِ ما يستحق فعلاً.
إقرأ أيضَا:
مهرجان البندقيةالسينمائي 2026: دورة جديدة بأسماء كبيرة وأسئلة أكبر
ثلاث مخرجات يقررن الفائز ومخرجة واحدة تنافس.. مفارقة مهرجان البندقية 2026
جزيرة الليدو في البندقية: الوجه الهادئ خلف صخب السجادة الحمراء