لم يكن افتتاح الدورة الثانية عشرة من أسبوع دبي للتصميم 2026 مجرد موعد لاستعراض أحدث اتجاهات التصميم والعمارة، بل شكّل مساحة للحوار بين ثقافات مختلفة ورؤى إبداعية تتقاطع فيها الذاكرة مع الابتكار. فمن الحرف العربي الذي تحول إلى تركيب ضوئي معاصر، إلى العمارة اليابانية التي أعادت التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، قدم اليوم الأول مجموعة من المشاريع التي كشفت عن اتساع مفهوم التصميم وقدرته على تجاوز الوظيفة الجمالية نحو التعبير عن الهوية والتجربة الإنسانية.
وفي حي دبي للتصميم (d3)، حيث انطلقت الفعاليات في 4 نوفمبر، اجتمعت أعمال من الإمارات والمنطقة والعالم ضمن برنامج يضم أكثر من 40 معرضًا وتركيبًا ومشروعًا إبداعيًا، بمشاركة مصممين ومعماريين من أكثر من 50 دولة. وبين المشاريع الفنية في المساحات المفتوحة والمعارض المتخصصة، برزت محطات تستحق التوقف عندها، لما تحمله من أفكار تتصل بالتراث والحرفية والذاكرة والابتكار في التصميم المعاصر.
أبواب 2026: الحرف العربي يتحول إلى لغة بصرية معاصرة
كان معرض أبواب Abwab من أبرز محطات الافتتاح، خصوصًا مع انتقاله للمرة الأولى من صيغة الأجنحة المنفصلة إلى معرض جماعي داخلي يحمل عنوان In Other Words، ويضم خمسة مشاريع فنية وتصميمية تستكشف طرق انتقال المعاني والمعرفة والذاكرة بين الثقافات والأجيال.
ومن بين الأعمال الأكثر لفتًا للانتباه، مشروع Shhhhhhhh للفنانة داليا رافع، الذي يستلهم الحرف العربي «ش» ويعيد تقديمه ضمن تركيب ضوئي أحمر يبلغ طوله سبعة أمتار، في معالجة فنية تربط بين شكل الحرف ودلالته الصوتية، وتحول مفهوم الصمت إلى تجربة بصرية.
ولا تتوقف أهمية المشروع عند استلهام الخط العربي، بل تمتد إلى إعادة التفكير في اللغة بوصفها نظاماً بصرياً ومادياً للتواصل، وهي الفكرة التي تتجلى أيضاً في أعمال المشاركين الآخرين.
ففي A Library of Paper Memories، تستكشف غريس شييه الورق المصنوع يدويًا باعتباره وعاءً للذاكرة والمعنى، بينما تستلهم VARUSSI في مشروع Taleem الرموز والأنظمة المشفرة التي استخدمها الحرفيون في صناعة السجاد الكشميري وأوشحة Kani. أما كاناكا راغافان فتقدم قراءة جديدة لبناء الحروف عبر طبقات النسيج في Cheent Devanagari، فيما يتناول UBIK في Non/Sense التحولات التي تطرأ على المعنى خلال الترجمة وسوء الفهم.
وهكذا، يقدم “أبواب” تجربة تتجاوز حدود المعرض التقليدي، لتطرح تساؤلات حول كيفية انتقال التراث والمعرفة من سياق إلى آخر، وما الذي يبقى منهما وما الذي يتغير في هذه الرحلة.
CHATAI 2.0 العمارة اليابانية تحتفي بالحرفية والتواصل
ومن الحرف العربي إلى العمارة اليابانية، قدم مكتب Nikken Sekkei بالتعاون مع استوديو النجارة الياباني SOBOKUYA مشروع CHATAI 2.0، الذي شكل إحدى التجارب المعمارية المميزة في المساحات الخارجية لحي دبي للتصميم.
ويستند المشروع إلى الحرفية اليابانية التقليدية، من خلال استخدام الخشب وتقنيات الوصلات الدقيقة التي تسمح بتركيب العناصر من دون الاعتماد على وسائل التثبيت التقليدية، في معالجة تبرز قيمة المهارة اليدوية والمعرفة المتوارثة في العمارة.
ويتكون التركيب من ثلاث مساحات مترابطة هي CHATAI وMACHIKAN وHANARE، لكل منها وظيفة وتجربة مختلفة. وتستحضر الأولى مفهوم بيت الشاي الياباني، مع إضافة مساحة مستوحاة من الشرفة التقليدية Engawa، فيما تتيح الثانية للزوار المشاركة في تجميع طاولة مشتركة وتجارب تنسيق الزهور اليابانية وفنون الخط ومراسم الشاي. أما الثالثة فتقدم تجربة تصويرية تستلهم الزي الياباني التقليدي Haori.
وتكتمل التجربة بممر يضم 88 جرسًا يابانيًا تقليدياً Furin، تضيف أصواتها بعدًا حسيًا إلى التركيب، وتستحضر أجواء الصيف في اليابان.
ولا تكمن أهمية CHATAI 2.0 في استعراض تقنيات النجارة فحسب، بل في تقديم العمارة بوصفها مساحة للتفاعل الاجتماعي وتبادل الثقافة، حيث تصبح الحرفية وسيلة لبناء علاقات بين الزوار، وليس مجرد مهارة إنتاجية.
Three Gardens and a Room الطبيعة تعيد تشكيل المساحات العامة
ومن المشاريع التي تستحق التوقف عندها العمل الفائز ضمن برنامج Urban Commissions 2026، بعنوان Three Gardens and a Room، الذي قدمه مكتب NAO Architects، الذي أسسته المهندسة المعمارية ريم نصور في دبي.
ويأتي المشروع ضمن محور Atmospheres، الذي يستكشف تأثير العناصر المعمارية والحسية، مثل الضوء والحرارة والصوت والمواد، في الطريقة التي نختبر بها الأماكن ونتفاعل معها.
ويعيد العمل تصور الحديقة من خلال ثلاث مساحات خضراء مترابطة تنتظم حول غرفة مركزية مشتركة، مستنداً إلى أربعة عناصر معمارية أساسية هي السقف والتلة والموقد والمساحة المحاطة. ومن خلال النباتات والألوان والظلال والضوء المصفى، تتشكل بيئات مختلفة تمنح الزائر فرصة التنقل والاستكشاف والتوقف.
ويقدم المشروع تصورًا للفضاء العام لا يقوم على الجانب الجمالي وحده، بل على قدرته على توفير الراحة الحرارية وتعزيز التواصل الاجتماعي، وإيجاد مساحات تتيح للناس الالتقاء والتفاعل مع محيطهم.
Inherited Futures المصممون الإماراتيون يعيدون قراءة التراث
وفي سياق الاحتفاء بالهوية المحلية، قدم معرض UAE Designer Exhibition، بدعم من هيئة الثقافة والفنون في دبي، أعمال 30 مصممًا ومبدعًا مقيمًا في الإمارات تحت عنوان Inherited Futures، برؤية المهندسة المعمارية والمصممة الزينة لوتاه.
ويستكشف المعرض العلاقة بين المعرفة المتوارثة والتجريب في المواد والتصميم المعاصر، من خلال مجموعة من قطع الأثاث والإضاءة والمنسوجات والأغراض التي تستلهم الحرف التقليدية والعادات المحلية والبيئة الطبيعية لدولة الإمارات.
وتتنوع المقاربات بين استخدام الطين المحلي والأخشاب المعاد توظيفها والمخلفات الزراعية، واستلهام تقنيات تفصيل الأزياء التقليدية والخط العربي والمجلس الإماراتي.
وتبرز في هذه التجربة فكرة أن الحفاظ على التراث لا يعني إعادة إنتاجه بصيغته الأصلية، بل تطويره وإدخاله في سياقات جديدة، بما يسمح للأجيال الشابة بالتعبير عن هويتها من خلال لغة تصميمية معاصرة.
أكثر من 25 تركيباً فنياً يحوّل حي دبي للتصميم إلى معرض مفتوح
إلى جانب المعارض الرئيسية، شهد حي دبي للتصميم حضور أكثر من 25 تركيبًا فنيًا ومعماريًا، توزعت بين المساحات المفتوحة، وقدمت مقاربات مختلفة للعلاقة بين العمارة والمواد والبيئة والمجتمع.
ومن بين الأعمال اللافتة Peek, Pivot, Play! للمكتب الأميركي Arquitectonica، الذي يعيد تصور المساحة العامة باعتبارها تجربة تفاعلية تقوم على المشاركة والحركة، من خلال عناصر تسمح للزوار باكتشاف صور وتكوينات مختلفة مع تغير مواقعهم.
وفي المقابل، قدم استوديو Palm & Palazzo البحريني مشروع BAYN، الذي يستكشف العلاقة بين الخصوصية والتواصل الاجتماعي في المنازل البحرينية التقليدية، مستلهمًا عناصر من العمارة المحلية وأساليب العيش فيها.
أما مشروع Taqleem للمصممة رشا سفريني، فيتناول إمكانات إعادة توظيف سعف النخيل المهمل في البناء والتصميم المعاصر، في مقاربة تجمع بين استدامة المواد واستلهام البيئة المحلية.
وتكشف هذه الأعمال عن اتجاه متزايد نحو تصميم مساحات لا تكتفي بوظيفتها البصرية، بل تشجع على المشاركة والتفاعل وتعيد التفكير في علاقتنا بالمكان والموارد الطبيعية.
Downtown Design لقاء بين الأسماء العالمية والمواهب الإقليمية
وشكل افتتاح معرض Downtown Design محطة رئيسية في اليوم الأول، مع مشاركة أكثر من 300 علامة تجارية ومصمم من أكثر من 35 دولة، في مشهد يجمع بين التصميم العالمي والممارسات الإبداعية الإقليمية.
ومن أبرز المشاركات معرض Memphis Milano، الذي قدمته HMA Living، مستعيدًا أعمال المصمم إيتوري سوتساس وأبرز ملامح الحركة التي أحدثت تحولاً في مفهوم التصميم من خلال الأشكال الهندسية الجريئة والألوان والتكوينات غير التقليدية.
كما لفت تعاون دار Buccellati مع الفنان والمصمم البريطاني لوك إدوارد هول في مشروع Aquae Mirabiles، الذي يمزج بين عالم الفنون والتصميم والحرفية، فيما قدمت Veuve Clicquot مساحة Clicquot Café بتصميم الفنان البريطاني النيجيري يينكا إيلوري، تحت عنوان Chasing the Sun.
وعلى المستوى الإقليمي، قدمت منصة Iwan Maktabi أعمالاً جديدة للمصممين الإماراتيين نادين قانصوه وعمر الغُرغ، مستلهمة الخط العربي والرموز الثقافية وذكريات المجلس التقليدي.
أسبوع دبي للتصميم 2026… حين يصبح التراث نقطة انطلاق للمستقبل
من الحرف العربي وتقنيات النجارة اليابانية إلى إعادة توظيف المواد المحلية وتصميم المساحات العامة، أظهر اليوم الأول من أسبوع دبي للتصميم 2026 أن الابتكار لا ينفصل بالضرورة عن الذاكرة الثقافية، بل يمكن أن ينطلق منها ليقدم رؤى جديدة تتجاوز الحدود الجغرافية والتخصصات الإبداعية.
وبين التجارب الفنية والمعمارية والمعارض التي تحتفي بالمواهب المحلية والانفتاح على الممارسات العالمية، يرسخ الحدث مكانة دبي منصة للحوار بين الثقافات، ويؤكد أن التصميم المعاصر لم يعد مجرد استجابة لمتطلبات الحياة اليومية، بل أصبح وسيلة لإعادة التفكير في الهوية والمجتمع والمستقبل.