في عالم الهوت كوتور، حيث تُبنى الأساطير على الحرفية والدقة والسيطرة الكاملة على التفاصيل، اختار دانيال روزبيري Daniel Roseberry، المدير الإبداعي لدار سكياباريللي Schiaparelli، أن يذهب في الاتجاه المعاكس تمامًا: أن يتخلى عن السيطرة، وأن يترك مساحة للمجهول كي يقوده. هكذا وُلدت مجموعة “The Call of the Void” التي قدّمها خلال أسبوع باريس للهوت كوتور، في رحلة إبداعية تستعيد روح المؤسسة Elsa Schiaparelli وتحوّل الغموض وعدم اليقين إلى لغة تصميمية جديدة.
الجرأة على خوض المجهول
View this post on Instagram
بعد النجاح الكبير الذي حققته مجموعة الموسم السابق The Agony and the Ecstasy، اعترف روزبيري بأنه دخل مرحلة من الثقة المفرطة، معتقدًا أنه اكتشف “المعادلة” التي يمكن إعادة تطبيقها. لكن محاولة تكرار النجاح السابق تحولت سريعًا إلى عائق إبداعي، إذ أدرك أن الموضة الراقية لا تولد من القوالب الجاهزة، بل من الجرأة على خوض المجهول.
ومن هنا جاء عنوان المجموعة، المستوحى من التعبير الفرنسي “L’appel du vide” أو “نداء الفراغ”، وهو الشعور الغامض الذي يدفع الإنسان إلى الاقتراب من المجهول. بالنسبة إلى روزبيري، لم يكن الفراغ مساحة خوف، بل مساحة حرية؛ المكان الذي تبدأ منه الأفكار الأكثر ابتكارًا عندما يتوقف المصمم عن محاولة التحكم بكل شيء.
إرث إلسا سكياباريللي
عندما يصبح المستحيل منهجًا إبداعيًا
View this post on Instagram
لطالما ارتبط اسم سكياباريللي بالسريالية، لكن روزبيري يؤكد أن سريالية إلسا لم تكن هروبًا من الواقع، بل طريقة لكشف الجوانب الخفية وغير المعلنة منه. فقد آمنت المصممة الإيطالية الراحلة بأن أكثر الأعمال تأثيرًا لا تأتي من اليقين، بل من التناقض والحدس والمصادفة.
وهذا الإرث شكّل الأساس الفكري للمجموعة الجديدة، حيث لم يسعَ روزبيري إلى إعادة إنتاج رموز الدار الشهيرة فقط، بل إلى إعادة طرح السؤال الأساسي الذي رافق مسيرة إلسا: كيف يمكن تحويل المستحيل إلى واقع ملموس؟
الهوت كوتور خارج حدود المواد التقليدية
View this post on Instagram
في هذه المجموعة، تحدّى روزبيري القواعد التقليدية للهوت كوتور، متسائلًا عمّا إذا كانت قيمة القطعة تكمن في المواد الفاخرة المستخدمة لصنعها، أم في قدرة الخيال على إعادة ابتكارها.
بدلًا من الاعتماد على الحرير والساتان والصوف التقليدي، دخلت مواد غير متوقعة إلى عالم الأزياء الراقية، مثل:اللاتكس، السيليكون، طبقات الطلاء المجففة والمشكّلة يدويًا إضافة إلى تركيبات صناعية أعيد تحويلها إلى منحوتات ترتديها المرأة.
أما الهدف فليس استبدال الفخامة، بل إعادة تعريف معناها؛ فالفخامة هنا لا ترتبط فقط بندرة المادة، بل بالوقت والخبرة واليد البشرية التي تمنحها الحياة.
منحوتات ترتديها المرأة
View this post on Instagram
اغتنت مجموعة سكياباريللي لخريف وشتاء 2026-2027 بتصاميم بدت أقرب إلى أعمال فنية متحركة. من بينها كورسيهات ثلاثية الأبعاد بتفاصيل واقعية نُحتت يدويًا قبل صبّها بالسيليكون وتلوينها بدرجات زرقاء حليبية، إضافة إلى تنانير مزينة بزهور مصنوعة من أقمشة الجوارب المشدودة فوق هياكل معدنية ومرصعة باللآلئ، لتبتكر تدرجات لونية تمتد من الأزرق القروي إلى درجات الكراميل.
كما ظهرت قطع أخرى تتحدى قوانين الخفة والثقل، مثل: فساتين مزينة بأنابيب كرينولين منحوتة تبدو وكأنها تطفو حول الجسد، إضافة إلى سترات وسراويل مرصعة بأزهار طبيعية، وحراشف أسماك، وتفاصيل من الشرائط الزهرية.
كما تميّزت تصاميم المجموعة بالأكتاف التي تتحول إلى منحوتات حية عبر مجسات من اللاتكس تتحرك مع خطوات العارضة.
هذه التجارب لم تكن ممكنة من دون خبرة مشاغل سكياباريللي، حيث يرى روزبيري أن أعظم رفاهية في الهوت كوتور ليست فقط في المواد المستخدمة، بل في الأيدي التي تصنعها.
لوحة ألوان مستوحاة من الطبيعة والكائنات البحرية
استوحى روزبيري ألوان المجموعة من عالم النباتات والمخلوقات البحرية، فامتزجت درجات: الوردي المرجاني المستوحى من سرطان البحر مع البنفسجي والبرتقالي التانجيري والأصفر الزعفراني والأخضر النعناعي الناعم مع خلفيات أكثر حدة مثل الأسود اللامع، واللون العاجي الشمعي، إضافة إلى توقيع الدار الأبرز: الذهب السكياباريللي.
فالذهب في هذه الدار ليس مجرد تفصيل زخرفي، بل مادة نحتية تمنح الجسد حضورًا جديدًا، ليصبح في الوقت نفسه قطعة مجوهرات، ودرعًا، وعملًا فنيًا.
إكسسوارات بين الطبيعة والخيال
امتد مفهوم المجموعة إلى الإكسسوارات، حيث ظهرت حقيبة Secret Bag الشهيرة بحلّة جديدة، مزينة بأشواك من الكرينولين أو تطريزات زهرية، إلى جانب حذاء The Bubble بتصميم معدني مستقبلي يشبه كائنًا فضائيًا، مغطى بطبقة من السيليكون.
أما المجوهرات، فواصلت الحوار بين الطبيعة والسريالية من خلال أقراط ذهبية مستوحاة من الأصداف البحرية مع بطانة من البورسلان الوردي وأساور وقلائد تأخذ شكل مجسات الأخطبوط إضافة إلى أطواق وأساور من السيليكون تستحضر شكل شقائق النعمان البحرية.
القفزة نحو المجهول… فلسفة سكياباريللي الجديدة
تكشف مجموعة “The Call of the Void” أن دانيال روزبيري لا يسعى فقط إلى الحفاظ على هوية سكياباريللي، بل إلى تطويرها. فبالنسبة إليه، إرث إلسا الحقيقي لم يكن مجموعة رموز بصرية ثابتة، بل الإيمان بأن المستحيل يمكن أن يكون طريقة للتفكير والإبداع.
هذه المجموعة لم تُولد من خطة واضحة، بل من رحلة بحث وتردد وتجريب. وربما تكمن قوتها تحديدًا في ذلك: في اللحظة التي يختفي فيها اليقين، تظهر إمكانية ابتكار شيء لم يكن موجودًا من قبل.
إنها دعوة من روزبيري للغوص في الهاوية… ليس بحثًا عن الإجابات، بل لاكتشاف الاحتمالات التي لم تُبتكر بعد.