إليسا تكشف عن أليسار… حين تتحوّل حكاية الحب والخذلان إلى رحلة لاكتشاف الذات

بعد أكثر من ربع قرن على انطلاقتها الفنية، تختار النجمة اللبنانية إليسا أن تعود إلى نقطة البداية، ولكن ليس بالمعنى التقليدي للعودة إلى الماضي، بل من خلال استعادة اسمها الحقيقي، أليسار، وتحويله إلى عنوان لمرحلة جديدة من مسيرتها الموسيقية. ففي الخامس من نوفمبر 2026، أطلقت ألبومها الرابع عشر أليسار ELISSAR، في خطوة تتجاوز حدود الإصدار الغنائي المعتاد، لتقدّم مشروعاً فنياً يحمل ملامح تجربتها الإنسانية، ويعيد طرح أسئلة الحب والخذلان والحرية والقدرة على النهوض بعد الانكسار. ليس اختيار الاسم تفصيلاً عابراً في مسيرة فنانة ارتبط صوتها بذاكرة أجيال من المستمعين. فمنذ بداياتها، استطاعت إليسا أن تصنع لنفسها هوية غنائية تقوم على الإحساس والصدق في التعبير عن المشاعر، حتى أصبحت أغنياتها جزءاً من التجارب الشخصية لجمهور واسع في العالم العربي. واليوم، يبدو أنها تعيد النظر في هذه الهوية من موقع مختلف، بعدما تحوّلت من فنانة تبحث عن تثبيت حضورها إلى صاحبة تجربة طويلة تمتلك القدرة على تحديد خياراتها الفنية والإنتاجية. يحمل أليسار 14 أغنية تتنقل بين الحب والحنين والفراق والمواجهة والتصالح مع الذات، لكنه يقدّم أيضاً صورة عن التحولات التي تشهدها صناعة الموسيقى العربية، حيث تتجه أسماء فنية بارزة إلى تعزيز استقلاليتها الإنتاجية، والاستفادة من الشراكات الدولية والمنصات الرقمية للوصول إلى جمهور أوسع.

 

أليسار… الاسم الحقيقي يتحوّل إلى بيان فني

حين قررت إليسا إطلاق اسم أليسار على ألبومها الجديد، لم تكن تبحث عن عنوان مختلف أو وسيلة لجذب الانتباه، بل اختارت اسماً يحمل ارتباطاً مباشراً بهويتها الشخصية. فأليسار زكريا خوري هو اسمها الحقيقي، وهو أيضاً اسم يستحضر في الذاكرة التاريخية شخصية أليسار، ملكة قرطاج الفينيقية، بما تمثله من رمزية القوة والإرادة والاستقلال. وقد عبّرت الفنانة عن هذه العلاقة في رسالتها إلى جمهورها، مؤكدة أن أليسار ليس مجرد اسم، بل عنوان لقصتها وهويتها وكل المراحل التي عاشتها والتي لا تزال تنتظرها. وتمنح هذه المقاربة الألبوم بعداً يتجاوز الأغنيات نفسها. فبعد سنوات من النجاح والشهرة، تختار إليسا أن تتقدم إلى جمهورها باسمها الأول، وكأنها تحاول تقليص المسافة بين الشخصية العامة والإنسانة التي تقف خلفها. إنها عودة إلى الذات، لكنها عودة تحمل خبرة السنوات، بما فيها من انتصارات وخيبات وتحولات، وتكشف عن فنانة لم تعد بحاجة إلى إعادة تقديم نفسها وفق التوقعات السائدة، بل وفق رؤيتها الخاصة. وجاء هذا المشروع بعد عامين من التحضير، تخللتهما تحديات وظروف صعبة، قبل أن يرى النور بوصفه ثمرة مرحلة تصفها إليسا بالتحرر والقدرة على اتخاذ قراراتها الفنية باستقلالية أكبر.

 

من نجمة البوب العربي إلى منتجة أعمالها… استقلالية تتعزز

يشكّل أليسار ثاني ألبوم تنتجه إليسا بالكامل من خلال شركتها الخاصة  E-Records، في خطوة تعكس تحولاً مهماً في علاقتها بصناعة الموسيقى. فالإنتاج المستقل لا يقتصر على تمويل العمل، بل يرتبط أيضاً بالقدرة على اختيار الأغنيات وصنّاعها، وتحديد الهوية الموسيقية وطريقة تقديمها للجمهور. وفي صناعة اعتادت لفترة طويلة الاعتماد على شركات الإنتاج الكبرى، يمثل انتقال الفنان إلى إدارة مشروعه الإبداعي بصورة مباشرة تحولاً في موازين العلاقة بين الفنان والمؤسسة الإنتاجية. وتبدو هذه الاستقلالية واضحة في طبيعة أليسار، حيث اختارت إليسا أن تقدم 14 أغنية دفعة واحدة، من دون إطلاق أغنية رئيسية قبل الألبوم أو إصدار فيديو كليب مرافق له. وهي مقاربة تختلف عن الاتجاه السائد الذي يعتمد على الأغنيات المنفردة والمحتوى المرئي القصير، سعياً إلى تحقيق انتشار سريع عبر المنصات الرقمية. لكن إليسا اختارت أن تمنح المستمع فرصة لاكتشاف الألبوم كاملاً، وأن تترك لكل أغنية إمكانية بناء علاقتها الخاصة مع الجمهور. وهنا تبرز فلسفة  Back to Basics، أو العودة إلى الأساسيات، التي تقوم على وضع الصوت والإحساس في قلب التجربة الموسيقية، بدلاً من جعل الأرقام والترندات المعيار الوحيد للنجاح.

 

شراكة مع Believe… خطوة نحو حضور عالمي أوسع

تتزامن هذه المرحلة مع انطلاق الشراكة الأولى بين إليسا وBelieve Artist Services، المتخصصة في دعم الفنانين المستقلين وتطوير مسيراتهم وتوزيع أعمالهم وتسويقها دولياً. وتحمل هذه الشراكة أهمية خاصة، لأنها تجمع بين فنانة تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة في العالم العربي وشركة تعمل ضمن منظومة الموسيقى العالمية. ففي ظل التحولات الرقمية، لم يعد انتشار الأغنية مرتبطاً حصراً بالإذاعات والقنوات التلفزيونية، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على استراتيجيات التوزيع الرقمي والترويج عبر المنصات وخوارزميات الاستماع. ومن هنا، يمكن قراءة التعاون الجديد باعتباره محاولة لتعزيز الحضور الدولي لأعمال إليسا، من دون التخلي عن هويتها الموسيقية العربية. ولا يعني ذلك بالضرورة انتقالها إلى الغناء بلغات أخرى أو تغيير أسلوبها الفني، بل الاستفادة من أدوات تسويقية وتوزيعية تمنح الأغنية العربية فرصاً أوسع للوصول إلى مستمعين خارج أسواقها التقليدية.

 

من تايمز سكوير إلى أنغامي… إطلاق يتجاوز الحدود

لم يقتصر إطلاق أليسار على المنصات الموسيقية، بل رافقته حملة ترويجية امتدت من العالم العربي إلى الولايات المتحدة. فقد شاركت إليسا في مبادرة EQUAL Arabia بالتعاون مع Spotify، وهي مبادرة تسلط الضوء على حضور المرأة في صناعة الموسيقى وتعزيز فرصها. وتُوّجت المرحلة التشويقية بظهورها على لوحة إعلانية في ساحة تايمز سكوير في نيويورك، أحد أبرز المواقع الإعلانية في العالم.

ويحمل هذا الظهور دلالة رمزية تتجاوز الجانب الترويجي، إذ يضع فنانة عربية في مساحة عالمية ترتبط عادة بأكبر الأسماء الموسيقية الدولية. ومع صدور الألبوم، انتقلت الحملة إلى مرحلة جديدة بالتعاون مع أنغامي من خلال برنامج  Anghami Elite، في خطوة تعكس أهمية المنصات الإقليمية في تعزيز التواصل بين الفنان وجمهوره. وتكشف هذه الاستراتيجية عن توازن بين الحضور العالمي والارتباط بالسوق العربية، حيث تستفيد إليسا من شراكات دولية من دون الابتعاد عن جمهورها الأساسي.

 

14 أغنية وثلاث لهجات… تنوّع يحافظ على الهوية

يضم أليسار 14 أغنية، تتوزع بين تسع أغنيات باللهجة المصرية وأربع باللهجة اللبنانية وأغنية خليجية واحدة. ويعكس هذا التوزيع امتداد التجربة الغنائية لإليسا، التي اعتادت التنقل بين اللهجتين اللبنانية والمصرية، وحققت من خلالهما عدداً كبيراً من نجاحاتها. أما الجديد، فيتمثل في تقديم أغنية خليجية أصلية للمرة الأولى، في خطوة تضيف مساحة تعبيرية مختلفة إلى عالمها الموسيقي. ورغم تنوع اللهجات، لا يبدو الألبوم محاولة لتقديم أنماط متباعدة، بل يقوم على وحدة عاطفية تجمع الأغنيات، حيث تتكرر موضوعات الحب والحنين والفقدان والمواجهة، ولكن من زوايا مختلفة. وهنا تكمن إحدى أبرز سمات المشروع، إذ لا يقدّم الحب باعتباره تجربة واحدة، بل مجموعة حالات إنسانية قد تتناقض داخل الشخص نفسه. فالحب قد يكون فرحاً يضيء الملامح، أو حنيناً إلى شخص غائب، أو علاقة تستنزف صاحبها، أو شجاعة في اتخاذ قرار الرحيل.

 

مروان خوري وإليسا… عودة الكيمياء الرومانسية

من أبرز ملامح أليسار تجدد التعاون بين إليسا والفنان والملحن مروان خوري، في ثلاث أغنيات لبنانية هي اعطيني غمرة، ومطارات، وبدي ياك. ويحمل هذا اللقاء خصوصية فنية، بالنظر إلى التاريخ الذي جمع الطرفين، وإلى قدرة مروان خوري على تقديم ألحان وكلمات تقوم على الحساسية العاطفية والصور الشعرية. وتكشف هذه الأعمال عن جانب أساسي من هوية إليسا الغنائية، حيث تتقدم الكلمة والإحساس على الاستعراض الموسيقي، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى صور وجدانية قادرة على ملامسة المستمع.

 

تامر عاشور وعزيز الشافعي… وجوه مختلفة للحب والخذلان

إلى جانب مروان خوري، يضم الألبوم تعاونات مع مجموعة من أبرز صنّاع الأغنية المصرية. فيلتقي صوت إليسا بألحان تامر عاشور في أغنيتي هبطل أحب ووشّي نوّر، من كلمات نادر عبد الله. وتبدو المفارقة واضحة بين العملين، إذ تعبّر الأولى عن قرار الانسحاب من علاقة مؤلمة، فيما تحتفي الثانية بالحب بوصفه مصدراً للنور والفرح. كما يشارك عزيز الشافعي في كشف الحساب والأوضة الضالمة، وهما عملان يتناولان جوانب أكثر قسوة من العلاقات العاطفية. وتكتسب هذه الأغنية أهمية إضافية لأنها تختتم الألبوم، وكأن الرحلة العاطفية التي بدأت بالفرح تنتهي بإدراك أن الحب لا ينبغي أن يكون على حساب الذات.

 

شتا الرياض… إليسا تخوض تجربة الأغنية الخليجية الأصلية

تمثل شتا الرياض إحدى المحطات المختلفة في أليسار، بوصفها أول أغنية أصلية تقدمها إليسا باللهجة الخليجية. الأغنية من كلمات عبد الله الملحم وألحان رامي الشافعي وتوزيع عمر صباغ، وتستند إلى صور شعرية تجمع بين برد الشتاء ودفء المشاعر. ويحضر المطر بوصفه رمزاً للحنين، فيما تتحول المدينة إلى مساحة تستعيد فيها الذاكرة تفاصيل الحب والغياب. وتكشف هذه التجربة عن رغبة إليسا في توسيع مساحتها الغنائية، من دون الابتعاد عن الموضوعات التي ارتبط بها صوتها. فالأغنية الخليجية هنا ليست مجرد إضافة لهجة جديدة إلى الألبوم، بل محاولة لتقديم الرومانسية من خلال مفردات وصور مختلفة.

 

من ليل يا ليل إلى سهـلة الأذية… الحب ليس دائماً انتصاراً

تبدأ رحلة الألبوم مع ليل يا ليل، من كلمات ملاك عادل وألحان محمد يحيى، حيث يبدو الفرح نتيجة رحلة طويلة من الصبر والمحاولات. لكن هذا التفاؤل لا يستمر بوصفه الحالة الوحيدة في العمل، إذ تتوالى الأغنيات لتكشف عن مشاعر أكثر تعقيداً. في ما تلاقيناش، من كلمات أحمد المالكي وألحان محمد يحيى، تبدو العلاقة وكأنها فقدت قدرتها على التواصل، بعدما تراكم الصمت وسوء الفهم حتى أصبح الرحيل خياراً لا مفر منه.

أما سهلة الأذية، من كلمات أحمد راؤول وألحان أحمد زعيم، فتتناول لحظة استعادة القوة بعد التعرض للألم. وفي يبليك بالحب، من كلمات محمد رفاعي وألحان أحمد إبراهيم، يختلط العتاب بالشوق، في صورة عاطفية تجعل الحب نفسه وسيلة لفهم المعاناة التي يتركها. وتتجه احتمال، من كلمات أمير طعيمة وألحان وليد سعد، إلى عالم أكثر شاعرية، حيث يصبح الحب احتمالاً يتجاوز الزمن والواقع.

أما وعدني، من كلمات سهام الشعشاع وألحان أيمن قميحة، فتقدم صورة للحب باعتباره ملاذاً ومصدراً للأمان. ومن خلال هذه الأغنيات، يتضح أن إليسا لا تحاول تقديم نموذج مثالي للعلاقة العاطفية، بل ترسم خريطة لمشاعر تتغير باستمرار، من التعلق إلى الخوف، ومن الأمل إلى الانكسار، وصولاً إلى التحرر.

 

الصوت أولاً… بصمة عالمية من Bernie Grundman Mastering

يحمل الألبوم أيضاً بعداً تقنياً من خلال التعاون مع استوديو Bernie Grundman Mastering  في مرحلة المعالجة الصوتية النهائية. ويرتبط اسم الاستوديو بتاريخ طويل من العمل على تسجيلات موسيقية عالمية، من بينها أعمال لمايكل جاكسون وبرينس. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ألبوم يقوم على فلسفة العودة إلى الأساسيات، حيث يصبح الصوت البشري العنصر المحوري في التجربة. فالمعالجة الصوتية النهائية لا تتعلق فقط برفع مستوى الصوت أو تحسين جودته، بل تشمل المحافظة على التوازن بين الآلات والغناء، وإبراز التفاصيل الدقيقة التي تمنح الأداء خصوصيته. ومن هنا، يبدو الاهتمام بالجودة الصوتية جزءاً من الرؤية الفنية للألبوم، وليس مجرد تفصيل تقني. فحين تكون الأغنيات قائمة على المشاعر الدقيقة، تصبح طريقة تقديم الصوت عاملاً أساسياً في نقل هذه المشاعر إلى المستمع.

 

من بدي دوب إلى أليسار… 28 عاماً من الحكايات

منذ ألبومها الأول بدي دوب عام 1998، شقّت إليسا طريقها في عالم الموسيقى العربية، وقدمت أعمالاً أصبحت جزءاً من الذاكرة الغنائية لجمهور واسع. وخلال هذه الرحلة، تطورت صورتها الفنية، لكنها حافظت على عنصر أساسي في هويتها، يتمثل في قدرتها على تقديم الأغنية العاطفية بإحساس قريب من التجارب اليومية. ومع مرور السنوات، لم يعد صوتها مرتبطاً فقط بحكايات الحب الأولى، بل أصبح يحمل أيضاً خبرة النضج والفقدان والتصالح مع الذات. ومع أليسار، لا تعود إليسا إلى بداياتها لتكرار ما قدمته، بل لتؤكد أن النضج الفني لا يعني الابتعاد عن المشاعر الأولى، وإنما القدرة على فهمها بصورة أعمق. وبين وهج الحب وشجاعة الرحيل، تواصل النجمة اللبنانية كتابة حكايتها، ولكن هذه المرة باسمها الحقيقي، وبصوت امرأة تعرف جيداً من تكون، وما الذي تريد أن تقوله.

مقالات مشابهة