في تقاطع آسر بين الفن والعلم والتصميم، تتجلى تجربة الفنانة ياسمينا أبو جودة ضمن سياق عالمي يتجاوز حدود العمل الفني التقليدي، ليحاور مفاهيم اللون والمادة والكون. وتندرج هذه الرؤية ضمن توجّهات معاصرة أوسع تسعى إلى تحويل العناصر الحسية- اللون والملمس -إلى تجارب غامرة، كما يظهر في مشاريع عالمية مثل Pantone Celadon Suite في Mandarin Oriental Hyde Park ، وهو تعاون بين مجموعة فنادق ماندارين أورينتال و PantoneوUchronia، حيث يتحول اللون إلى تجربة متكاملة تستكشف العلاقة بين الهدوء والقوة، وبين التراث والحداثة.
View this post on Instagram
وتبرز أعمال ياسمينا كإمتداد فكري ومادي لهذا التوجّه، حيث تتخطى حدود الشكل لتغوص في بنية المادة ذاتها. من خلال مشروعها المتخيّلConreen ، والذي تم تطويره بالتعاون مع علماء فيزياء نووية في CERN، تعيد الفنانة تصور المادة ككيان ديناميكي يتشكّل من تفاعلات كونية دقيقة. هذا المركّب النادر، المستوحى من إشعاعات الثقوب السوداء الدقيقة، يصبح وسيلة لطرح تساؤلات حول المعرفة، والكثافة، وانتقال المعلومات عبر المواد، حيث تُحقن خصائصه في عناصر أخرى دون أن تفقد هويتها الأصلية، وكأنها حاملة لذاكرة كونية خفية.
View this post on Instagram
تتحول هذه المفاهيم إلى أعمال ملموسة عبر منحوتات تعتمد الطيّ كمنهجية بنائية، مستلهمة من أنماط بيولوجية وذرّية في آنٍ واحد. في أعمال مثل Lyman Gamma وFlavour Unification، تستحضر الفنانة مفاهيم فيزيائية كتحولات الإلكترونات وسلاسل الانبعاث، لتبتكر أشكالًا تبدو وكأنها وُلدت من داخل المادة نفسها. أما مشاريع مثل The Black Hole Library ، فتقدّم سرديات بصرية تتنقل بين الزمن والمكان، حيث تتقاطع الأفكار وتنهار لتُعاد صياغتها ضمن بنى فركتالية معقدة.
View this post on Instagram
وبين الضوء والظل، وبين الدقة والتجريب، تنسج الفنانة عالمًا تأمليًا يعكس سعيًا دائمًا نحو فهم المجهول، واكتشاف الإمكانات اللامحدودة الكامنة في أبسط الأسطح. إنها ممارسة فنية لا تكتفي بتشكيل الفراغ، بل تسعى إلى إعادة تعريفه- حيث يصبح الطيّ لغة، والضوء أداة، والمادة حاملةً لقصص لم تُروَ بعد.
View this post on Instagram
في هذه المقابلة، نغوص في رؤيتها التي تمزج بين التجريب والدقة، وتكشف كيف يمكن لسطح واحد أن يحتضن احتمالات لا نهائية من الإبداع.
يبدو عملك وكأنه يقع بين الفن والعلم والخيال. كيف تصفين عالمك بإيجاز؟
الخيال هام لأنه مع وجود أمل كافٍ، سيلحق به الواقع في النهاية. عالمي هو فضاء يلتقي فيه العلم الأساسي بالخيال، حوار بين اللعب بالشكل، والمواد المختلفة، وكتب العلوم، وكلها تتشكّل من خلال وجهات النظر المتنوعة للأشخاص الذين أتعاون معهم.
من المواد المتخيلة إلى الإشارات الكونية، غالبًا ما يطمس عملك الخط الفاصل بين الواقع والتأمّل. ما الذي يجذبك إلى هذا الفضاء؟
إذا دفعت الواقع إلى أقصى حدوده، وسعيت إلى العمل ضمن حدود ما نعرفه ونفهمه، فستكون لديك فرصة أكبر لإبتكار شيء مختلف. لهذا السبب قد يكون التأمّل مفيدًا، لدفع الواقع إلى أقصى حدوده.
الطي عنصر أساسي في عملك – بصريًا وهيكليًا. ماذا يمثل هذا العنصر بالنسبة لك؟
أرى الطي وسيلة لتصوير فضاء يبدو وكأنه “مولود” لا “مبني”. في الطبيعة، بدءًا من طريقة تكدّس الحمض النووي داخل الخلية وصولًا إلى كيفية تفتّح السرخس، تُعدّ البنية نتاجًا للتمدّد الداخلي. من خلال طي سطح واحد بطريقة فركتالية، أبتعد عن الهندسة الجامدة للطوب المرصوص وأتجه نحو طريقة بيولوجية انسيابية لخلق الفضاء. يتعلق الأمر باكتشاف الإمكانات اللامحدودة داخل مستوى واحد.
يلعب الضوء والظل دورًا محوريًا في أعمالك. كيف تفكرين في إدراك المشاهد أثناء الإبداع؟
بما أن الأعمال تنبثق من مستوى واحد، فإن الظلال هي التي تكشف عمق الطيات وتعقيدها. أريد أن تكون حركة المشاهد جزءًا من العمل الفني؛ فمن الجانب، يكاد العمل يختفي في خط مستقيم، ومن الأمام، يصبح صلبًا. إنه استكشاف لللامحدود داخل المحدود، يُظهر مقدار الحجم الذي يمكن استخلاصه من سطح مستوٍ واحد من خلال تدخل بسيط للضوء.
يحمل عملك إحساسًا بالدقة، ولكنه يحمل أيضًا طابعًا غامضًا. كيف توازنين بين التحكّم والتجريب في عملية إبداعك؟
يبدأ عملي دائمًا بالتجريب. إنها عملية مستمرة من التفاعل والتغيير، حيث أترك العملية تُفاجئني. لا أبدأ بالدقة، بل أصل إليها تدريجيًا. أعتبر عمليتي رحلة من الحدس إلى الصقل، أُجرّب الطيات حتى أجد لحظة إبداع، ثم أستخدم الصقل لأُبرز ذلك الشكل. يكمن الغموض في التجربة، بينما يأتي الوضوح من الدقة.
تبدو أعمال مثل Lyman Gamma، أشبه بالهندسة المعمارية، ومع ذلك فهي عميقة التأثير العاطفي. ما هو الإلهام الكامن وراء هذه المجموعة من الأعمال؟
استلهمتُ العمل من مخطط سلسلة ليمان لانبعاث الهيدروجين. يتكون العمل من خمسة مستويات أو “خطوات” متميّزة تقود العين من الأعلى إلى الأسفل.
بالنسبة لي، كانت هذه طريقة لرسم “سقوط” الإلكترون بشكل مادي. في الفيزياء، عندما يتحرك الإلكترون إلى مستوى أدنى، يفقد طاقة، ما ينتج عنه إنبعاث الضوء. أردتُ استخدام هذه الخطوات الهيكلية لتمثيل فقدان الطاقة غير المرئي هذا. النتيجة عمل فنيّ متين وذو طابع معماريّ، ولكنه في الوقت نفسه يسعى إلى تجسيد ما لا يُرى عادة.
تتسم إبداعاتك بجوٍّ هادئ وتأمليّ. في عالمنا السريع الخطى، هل هذا الشعور بالسكينة مقصود؟
إنّ بلوغ السكينة سعي دؤوب في ممارستي الفنية. أحاول أن أبقى متزنة، وأن أوازن بين سرعة وتيرة الحياة من خلال إيجاد مساحة هادئة للإبداع فيها. أسعى دائمًا إلى اكتشاف ذلك، فالنية موجودة بلا شك، ولكنني ما زلت بعيدة عن الإتقان. إنه تمرين يوميّ لإيجاد هذا التوازن.
بالنظر إلى المستقبل، ما هي الأفكار أو التوجّهات التي تتشوقين إلى إستكشافها؟
أتشوق إلى الإنتقال إلى أعمال تركيبية ومنحوتات أكبر حجمًا، والبدء في تجربة المعادن.