في زمن تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعيد صياغة مفهوم الصورة، تطلق دار الساعات السويسرية العريقة جيجر لوكولتر Jaeger-LeCoultre فصلاً فنياً جديداً ضمن برنامجها الإبداعي Made of Makers™ . هذا الفصل يأتي من خلال تعاون يجمع المصور الإمارات حسين الموسوي والفنانة الرقمية السعودية منى القويز، في مشروع فني يعيد النظر في حدود التصوير الفوتوغرافي ويستكشف العلاقة بين الذاكرة المعمارية للشرق الأوسط والخيال المستقبلي. يتزامن هذا المشروع مع لحظة تاريخية مهمة، إذ يحتفل عالم التصوير الفوتوغرافي في عام 2026 بمرور مئتي عام على ظهور هذا الفن، في وقت لم تكن فيه صناعة الصورة أكثر تحدياً وإثارة للأسئلة كما هي اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي.
برنامج يجمع بين صناعة الساعات والفنون
View this post on Instagram
يُعد برنامج Made of Makers™ أحد المبادرات الثقافية التي أطلقتها جيجر لوكولتر لتعزيز الحوار بين عالم صناعة الساعات والفنون المعاصرة. ويقوم البرنامج على فكرة أساسية مفادها أن الإبداع لا ينحصر في مجال واحد، بل ينشأ من التفاعل بين تخصصات مختلفة مثل الفن البصري والموسيقى والتصميم والعمارة وفنون الطهي. من خلال هذا البرنامج، تسعى الدار إلى إعادة النظر في مفهوم الفنون الكلاسيكية، ليس باعتبارها تراثاً ثابتاً ينتمي إلى الماضي، بل كمصدر دائم للتجديد والإلهام. فكما كانت الابتكارات الجريئة في الماضي تتحول مع الزمن إلى كلاسيكيات، يهدف البرنامج إلى استكشاف كيف يمكن للتقاليد أن تتجدد عبر أدوات وتقنيات معاصرة. وهذا النهج يعكس فلسفة الدار في صناعة الساعات، حيث يشكل التراث قاعدة للإبداع وليس قيداً عليه.
من الصورة الواقعية إلى التجربة الغامرة
View this post on Instagram
في هذا المشروع الفني الجديد، يبدأ العمل من الصورة الفوتوغرافية بوصفها وسيلة لتوثيق الواقع. يلتقط حسين الموسوي، عبر عدسته تفاصيل العمارة والتصميم الحضري في الشرق الأوسط، من الزخارف التقليدية إلى الملامح المعمارية الحديثة التي غالباً ما تمر دون ملاحظة. لكن هذه الصور لا تبقى في حدودها التقليدية. فهنا يأتي دور منى القويز، التي تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي والتصميم الرقمي لتحويل تلك الصور إلى بيئات بصرية مستقبلية. النتيجة ليست مجرد تعديل للصورة أو إعادة إنتاجها، بل توسيعها لتصبح تجربة بصرية متعددة الطبقات؛ فضاءات معمارية تمتد إلى ما وراء حدودها الفيزيائية، وزمن يلتف حول نفسه ليجمع الماضي والحاضر والمستقبل في مشهد واحد. هذا الأسلوب الذي يصفه الفنانون بـ”التصوير الغامر” يحوّل الصورة من سطح يُنظر إليه إلى فضاء يمكن استكشافه.
جسر في الزمن حيث يلتقي الماضي بالمستقبل
View this post on Instagram
يحمل المشروع الفني عنوان Bridge in Time، ويتكوّن من خمس صور مركبة تستكشف فكرة التواصل بين الأزمنة المختلفة. في هذه الأعمال، تتجاور الرموز المعمارية والتراثية مع رؤى مستقبلية للمدن والفضاءات العمرانية، في حوار بصري بين الاستمرارية والتحول. وتتضمن السلسلة مجموعة من المشاهد التي تعكس أبعاداً ثقافية وإنسانية مختلفة. في عمل The Courtyard المستوحى من فناء باب الشمس، يظهر الفناء كمكان للضيافة والتجمع الإنساني، بينما يتحول في الرؤية المستقبلية إلى فضاء رمزي يجسد روح المشاركة المجتمعية. أما The Threshold المستلهم من بوابة إكسبو، فيجسد لحظة العبور والتأمل، في إشارة إلى الانتقال بين العوالم والأفكار. ويقدم The Bridge المستوحى من جسر إنفينيتي رمزاً للتواصل بين الأجيال، فيما يستعيد عمل The Coral Wall تاريخ العمارة الساحلية في الإمارات التي استخدمت الحجر المرجاني، ليعيد تخيله ككائن معماري حي يربط البحر باليابسة. أما العمل الأخير The Mosque (Mosque of Light) فيستحضر دور المساجد كمراكز روحية تضبط إيقاع الزمن الجماعي وتعزز قيم الوحدة والسكينة.
رواة الصورة حوار بين ثقافتين وتقنيتين
View this post on Instagram
يأتي هذا المشروع نتيجة لقاء بين مسيرتين إبداعيتين مختلفتين. المصور الإماراتي حسين الموسوي، يمتلك خبرة تتجاوز عقدين في مجالات التصميم والتصوير والصحافة البصرية، وقد كرس جزءاً كبيراً من عمله لتوثيق التحولات العمرانية في الإمارات وإعادة اكتشاف جمالياتها المعمارية الحديثة. في المقابل، تنتمي منى القويز إلى جيل من الفنانين الرقميين الذين يعملون عند تقاطع التكنولوجيا والهوية الثقافية. فهي مهندسة وفنانة تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لإعادة تخيل المشهد العمراني والبيئي في السعودية، وتحويله إلى سرديات بصرية مستقبلية تجمع بين التراث والتصميم المعاصر.هذا التلاقي بين العدسة الفوتوغرافية والخوارزميات الرقمية يخلق مساحة فنية جديدة، حيث تتحول الصورة إلى جسر بين الذاكرة الثقافية والخيال المستقبلي.
عندما يصبح التراث منصة للابتكار
View this post on Instagram
من خلال هذا التعاون، تؤكد جيجر لوكولتر مرة أخرى رؤيتها التي تربط بين الحرفية التقليدية والابتكار المعاصر. فكما تحافظ الدار على إرثها الممتد لأكثر من قرنين في صناعة الساعات مع الاستمرار في تطوير تقنياتها، يسعى مشروع Made of Makers™ إلى إعادة اكتشاف التراث الفني والثقافي عبر أدوات جديدة. وفي عالم تتزايد فيه الأسئلة حول دور الذكاء الاصطناعي في الإبداع، يقدم هذا المشروع نموذجاً مختلفاً: ليس استبدال الفن بالتكنولوجيا، بل استخدام التكنولوجيا لتوسيع حدود الخيال الإنساني. وهكذا، تصبح الصورة أكثر من مجرد لحظة مجمدة في الزمن؛ إنها مساحة تتقاطع فيها الأزمنة، وتلتقي فيها الذاكرة مع المستقبل.