أسبوع الموضة في كوبنهاغن: انطلاقة تحتفي بعقدين من التأثير في عالم الموضة

لم يكن افتتاح أسبوع الموضة في كوبنهاغن لربيع وصيف 2027 SS27 ، مجرّد بداية لموسم جديد من عروض الأزياء، بل شكّل محطة تاريخية تحتفي بمرور 20 عامًا على تأسيس الحدث الذي نجح في ترسيخ مكانته كواحد من أكثر أسابيع الموضة تأثيرًا على الساحة العالمية. فمنذ انطلاقه عام 2006، تطور أسبوع الموضة في العاصمة الدنماركية من منصّة إقليمية تركّز على المواهب الإسكندنافية إلى حدث دولي يستقطب أبرز المشترين والمحررين وصناع المحتوى، ويقود النقاش العالمي حول مستقبل الموضة المستدامة.

وتأتي نسخة SS27 بطابع احتفالي خاص، إذ تجمع بين الاحتفاء بإرث الحدث الممتد لعقدين، واستشراف مستقبل الصناعة من خلال برنامج يضم عروضًا، وعروضًا تقديمية، وفعاليات ثقافية، وحوارات مهنية، إضافة إلى مشاركة علامات إسكندنافية راسخة وأخرى ناشئة، إلى جانب ضيوف دوليين يعكسون اتساع التأثير العالمي لأسبوع الموضة في كوبنهاغن.

20 عامًا من تحول كوبنهاغن إلى عاصمة للموضة المستدامة

قبل عشرين عامًا، كان أسبوع الموضة في كوبنهاغن حدثًا إقليميًا يسلط الضوء على المصمّمين الدنماركيين ومصممي شمال أوروبا، لكنه سرعان ما تحول إلى منصّة عالمية بفضل رؤية مختلفة تقوم على الجمع بين الإبداع والمسؤولية البيئية.

وخلال السنوات الأخيرة، أصبح الحدث مرجعًا عالميًا في تطبيق معايير الاستدامة، بعدما فرض على العلامات المشاركة الالتزام بمجموعة من المتطلبات المتعلقة بالشفافية البيئية، وسلاسل التوريد، واستخدام المواد المعاد تدويرها أو المعتمدة، وهو نموذج ألهم أسابيع موضة أخرى في برلين وأوسلو وأمستردام لتبني معايير مشابهة.

ورغم الانتقادات التي واجهت قطاع الموضة خلال عام 2025 بشأن مزاعم “الغسل الأخضر”، تمسّكت إدارة أسبوع الموضة بإطارها التنظيمي، مؤكدة أن هذه المعايير ليست حملة تسويقية، بل أداة لإحداث تغيير حقيقي داخل صناعة الأزياء، مع إدخال أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتقييم التزام العلامات بمتطلبات الاستدامة بصورة أكثر دقة.

افتتاح يحمل رسالة واضحة للمستقبل

جاء اليوم الأول ليؤكّد أن الاحتفال بالذكرى العشرين لا يعني الاكتفاء باستعادة الماضي، بل الانطلاق نحو مرحلة جديدة تعزّز مكانة كوبنهاغن كمختبر للأفكار الإبداعية.

وتوزّعت فعاليات الافتتاح بين العروض الرسمية، والعروض التقديمية، واللقاءات المهنية، والأنشطة المفتوحة للجمهور، في حين وفّر البرنامج الرسمي مساحة للتواصل بين المصممين والمستثمرين والإعلاميين، بما يعكس الدور المتنامي للحدث بوصفه منصة للأعمال إلى جانب كونه مناسبة فنية.

GANNIو STEM عندما تتحوّل الاستدامة إلى لغة للإبداع

من أبرز محطات اليوم الأول التعاون الجديد بين  GANNI والعلامة الناشئة STEM، والذي أعاد إحياء شراكتهما السابقة من خلال مشروع يعتمد على إعادة توظيف الأقمشة الفائضة من GANNI وتحويلها إلى تصاميم جديدة.

وما يميّز هذا التعاون أنه لم يقتصر على إعادة التدوير، بل قدّم رؤية جديدة لكيفية توظيف الخامات المتوافرة بأساليب مبتكرة، إذ استعانت المديرة الإبداعية لـSTEM، سارة برونهوبر، بخامات صناعية وألوان زاهية للمرة الأولى، مع تطوير تقنيات نسج وطيات دون استخدام الخياطة التقليدية، في خطوة تعكس كيف يمكن للاستدامة أن تكون مصدرًا للابتكار لا قيدًا على التصميم. كما أكدت المديرة الإبداعية لـGANNI، ديته ريفستروب، أن دعم المواهب الصاعدة يمثل جزءًا أساسيًا من هوية العلامة وعلاقتها المستمرة بأسبوع الموضة في كوبنهاغن، حتى مع توسع حضورها العالمي.

موضة الشارع… العرض الذي لا يحتاج إلى منصّة

إذا كانت عروض الأزياء تكشف ملامح الموسم المقبل على منصّات العرض، فإن شوارع كوبنهاغن تقدم قراءة أكثر عفوية وحيوية للاتجاهات التي يتبناها محررو الموضة، والمؤثّرون، والمشترون، وصنّاع المحتوى القادمون من مختلف أنحاء العالم. وخلال اليوم الأول من أسبوع الموضة، تحوّلت المدينة مرة أخرى إلى منصّة مفتوحة للإبداع، حيث لم تكن الإطلالات مجرّد انعكاس لما تعرضه دور الأزياء، بل تعبيرًا شخصيًا عن الهوية الإسكندنافية التي تجمع بين البساطة والجرأة والابتكار.

وبرزت منذ الساعات الأولى مجموعة من الاتجاهات التي رسمت ملامح موضة الشارع لهذا الموسم، إذ عاد الدانتيل بقوة في تصاميم عصرية، فيما أضفت الأقمشة الشفافة والطبقات الخفيفة لمسة من الأنوثة والانسيابية. كما سجل الكروشيه والحرف اليدوية حضورًا لافتًا، في انعكاس واضح للاهتمام المتزايد بالأزياء ذات الطابع الحرفي والمستدام. وفي المقابل، أضفت الألوان النابضة بالحياة والأكسسوارات كبيرة الحجم جرعة من الحيوية على الإطلالات، بينما لفتت تفاصيل الجمال الأنظار من خلال الزخارف ثلاثية الأبعاد على الوجه ولمسات الغليتر التي زينت المكياج، في اتجاه جريء يعكس روح التجريب التي تميز أسبوع الموضة في كوبنهاغن هذا الموسم.

ولا تكتفي موضة الشارع في كوبنهاغن بعكس أحدث الصيحات، بل أصبحت مختبرًا حقيقيًا لاتجاهات الموسم المقبل. فالإطلالات التي توثقها عدسات المصورين في شوارع العاصمة الدنماركية غالبًا ما تتحول إلى مصدر إلهام للمصممين والعلامات التجارية حول العالم، وهو ما رسخ مكانة المدينة كإحدى أبرز عواصم  Street Style وأكثرها تأثيرًا في صياغة المشهد العالمي للموضة.

لماذا تختلف كوبنهاغن عن بقية أسابيع الموضة؟

لا تسعى كوبنهاغن إلى منافسة عواصم الموضة الكبرى  باريس وميلانو ولندن ونيويورك من حيث الحجم أو عدد العروض، بل اختارت لنفسها مسارًا مختلفًا يقوم على الجودة، والابتكار، والرؤية المستقبلية . فقد نجح أسبوع الموضة في كوبنهاغن في بناء هوية خاصة تجعله أكثر من مجرّد منصّة لعرض المجموعات الجديدة، ليصبح مساحة تجمع بين التصميم الإسكندنافي المعاصر، والمسؤولية البيئية، ودعم المواهب الصاعدة.

وتكمن خصوصية هذا الحدث في تركيزه على المصممين الإسكندنافيين والعلامات الناشئة، حيث يمنح الجيل الجديد من المبدعين فرصة الظهور إلى جانب الأسماء الأكثر رسوخًا، ما جعله أحد أهم المختبرات العالمية لاكتشاف الاتجاهات الجديدة في عالم الموضة. فمن خلال هذا النهج، أصبحت كوبنهاغن منصة تتيح للمواهب الشابة تطوير أفكارها وعرض رؤاها الإبداعية أمام جمهور عالمي من المشترين والإعلاميين وصناع الموضة.

كما تتميّز كوبنهاغن بكونها من أوائل أسابيع الموضة التي جعلت الاستدامة جزءًا أساسيًا من هوية الحدث، وليس مجرد مفهوم ترويجي.

ولا تقتصر تجربة أسبوع الموضة في كوبنهاغن على الأزياء وحدها، بل تمتد إلى البحث في مستقبل الصناعة من خلال الجمع بين التصميم والتكنولوجيا وتطوير المواد الجديدة، حيث تتحول الاستدامة إلى مصدر للإبداع، سواء عبر إعادة استخدام الخامات، أو ابتكار تقنيات إنتاج أكثر كفاءة، أو استكشاف نماذج جديدة للاقتصاد الدائري.

وربما أكثر ما يميّز كوبنهاغن هو الطابع الإنساني الذي يرافق الحدث؛ فبعيدًا عن الأجواء التجارية الضخمة التي تطغى أحيانًا على أسابيع الموضة الكبرى، يحافظ أسبوع الموضة الدنماركي على علاقة قريبة مع المجتمع الإبداعي، حيث تتداخل العروض مع الثقافة، والفن، والشارع، لتصبح المدينة بأكملها جزءًا من المشهد. وهنا تكمن قوة كوبنهاغن: فهي لا تقدم فقط ما سترتديه الموضة غدًا، بل تقدم تصورًا جديدًا لكيفية صناعة الموضة نفسها.

ما الذي ينتظر الجمهور في الأيام المقبلة؟

بعد افتتاح ركز على الاحتفال بالذكرى العشرين وإبراز مفهوم الاستدامة، تتجه الأنظار إلى العروض المنتظرة خلال الأيام المقبلة، حيث تستعد علامات مثل Skall Studioو By Malene Birgerو Henrik Vibskovو Marimekko، إلى جانب الضيف الدولي Collina Strada، للكشف عن مجموعاتها الجديدة، فيما يتضمن البرنامج جلسات نقاش حول مستقبل الموضة المستدامة وفعاليات لدعم المصممين الشباب وتعزيز التعاون بين الأسواق الإبداعية المختلفة.

بداية تعد بموسم استثنائي

يكشف اليوم الأول من أسبوع الموضة في كوبنهاغن لربيع وصيف 2027 أن الحدث لم يعد مجرّد أسبوع لعروض الأزياء، بل أصبح منصة عالمية ترسم ملامح مستقبل الصناعة. وبين الاحتفال بعشرين عامًا من النجاح، والتمسك بالاستدامة، واحتضان المواهب الجديدة، تنطلق نسخة هذا العام برسالة واضحة: الموضة الإسكندنافية لم تعد اتجاهًا عابرًا، بل أصبحت نموذجًا عالميًا يجمع بين الابتكار والمسؤولية والإبداع

إقرأ أيضًا

بين نيويورك وباريس… عواصم الموضة تستعد لرسم ملامح الموسم الجديد

أسبوع الموضة في كوبنهاغن: عندما تصبح الاستدامة شرطًا للإبداع وليس شعاراً

أسبوع الموضة في كوبنهاغن 2027: كل ما تريد معرفته عن عروض SS27 والمصممين

أسبوع الموضة في كوبنهاغن SS27: أبرز المصممين واتجاهات الموضة الإسكندنافية الجديدة

أجمل أماكن تصوير الأزياء في كوبنهاغن 2027: دليل عشاق الموضة

دليل كوبنهاغن لعشاق الموضة: أفضل المتاجر والفنادق خلال أسبوع الموضة

مقالات مشابهة